في مشهد غير مسبوق في تاريخ الحروب الحديثة، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي شنّ حملة اغتيالات واسعة النطاق ضد الصحفيين الفلسطينيين، في خرق صارخ للقوانين والاتفاقيات الدولية التي تضمن حمايتهم.
وتؤكد المعطيات أن هذه الهجمة الإعلامية الدموية ليست مجرد انعكاس لوحشية الحرب على غزة، بل جزء من سياسة ممنهجة تستهدف تغييب الشهود وطمس الحقائق.
أرقام غير مسبوقة في حرب واحدة
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة كشف أن ما لا يقل عن 238 صحفياً استشهدوا، وأصيب أكثر من 400 آخرين منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، معظمهم نتيجة قصف متعمد لمنازلهم أو أماكن عملهم.
هذا الرقم يعدّ الأعلى في تاريخ الحروب منذ بدء التوثيق الإحصائي الحديث.
وتاريخياً، وثّقت منظمات مثل "لجنة حماية الصحفيين" و"مراسلون بلا حدود" استشهاد ما لا يقل عن 50 صحفياً فلسطينياً منذ عام 2000 وحتى اندلاع الحرب الأخيرة، غالبيتهم خلال الانتفاضة الثانية والحروب السابقة على غزة.
جرائم متواصلة ومشاهد دامية
آخر جرائم الاحتلال كانت استهداف خيمة إعلامية قرب مستشفى الشفاء في غزة، ما أدى إلى استشهاد مراسلي الجزيرة أنس الشريف ومحمد قريقع وأربعة صحفيين آخرين.
وقبل ذلك، اغتيل الصحفي حسام شبات في مارس/آذار 2024، والصحفي إسماعيل الغول والمصور رامي الريفي في يوليو/تموز من العام نفسه.
كما استشهد المصور سامر أبو دقة في ديسمبر/كانون الأول 2023 بعد إصابته إلى جانب مدير مكتب الجزيرة في غزة وائل الدحدوح، وبقائه ينزف ست ساعات بسبب منع وصول الإسعاف.
سلسلة اغتيالات طالت رموزاً تاريخية
الذاكرة الفلسطينية ما زالت تحمل أسماء بارزة اغتيلت على أيدي الاحتلال، مثل الصحفية شيرين أبو عاقلة التي قُتلت في جنين عام 2022 برصاص قناص إسرائيلي رغم ارتدائها سترة وخوذة الصحافة، والكاتب غسان كنفاني الذي اغتيل في بيروت عام 1972، والصحفي ماجد أبو شرار الذي اغتيل في روما عام 1981، ورسّام الكاريكاتير ناجي العلي الذي اغتيل في لندن عام 1987.
"إسرائيل" دأبت على تبرير هذه الاغتيالات باتهام الصحفيين بالانتماء إلى حركات المقاومة أو استغلال مهامهم الإعلامية لأغراض عسكرية. لكن تحقيقات مستقلة، منها التحقيق المشترك بين مؤسسة الحق وفورنزك أركتكتشر في اغتيال شيرين أبو عاقلة، أثبتت أن الرصاص جاء من مركبة عسكرية إسرائيلية كانت على بعد 200 متر، وأن موقعها لم يكن منطقة اشتباك.
كما وُجهت اتهامات مشابهة لأنس الشريف ووائل الدحدوح، الذي فقد معظم أفراد أسرته في قصف متعمد، ونجا من عدة محاولات اغتيال.
إفلات تام من العقاب
على الرغم من توثيق هذه الجرائم من قبل منظمات دولية، لم يُفتح أي تحقيق دولي ملزم بحق المسؤولين الإسرائيليين.
وتؤكد هيومن رايتس ووتش أن غياب المحاسبة يعزز ثقافة الإفلات من العقاب، فيما وصفت منظمة العفو الدولية عمليات القتل بأنها إعدامات ميدانية، ودعت مراسلون بلا حدود إلى تحرك عالمي لوقف ما سمته "استراتيجية التعتيم" التي يتبعها الاحتلال لطمس جرائمه.
أبعاد أخطر على حرية الصحافة
يرى خبراء أن استهداف هذا العدد الضخم من الإعلاميين في غزة يشكل ضربة قاسية لحرية الصحافة على المستوى الدولي، إذ يخلق بيئة من الترهيب تمنع نقل الحقيقة، ويعطي غطاءً لأنظمة أخرى لتكرار النهج نفسه.
كما أن استمرار قتل الصحفيين دون محاسبة يبعث رسالة بأن حياة الإعلاميين الفلسطينيين بلا قيمة في الحسابات السياسية والعسكرية الإسرائيلية.