في قلب حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث يختلط الدخان بالتراب، وحيث كل جدار محفور بالرصاص وكأن الحجر نفسه صار شاهدًا على الحرب، ولدت قصة لا يمكن أن يسطرها سوى الإيمان.
كان المشهد أقرب إلى الخيال؛ طرقات ضيقة تئن تحت ثقل الدبابات، سماء ملبدة بأزيز الطائرات، وأرض يلهبها القصف المدفعي بلا هوادة. وبين كل هذا الجحيم، يظهر مقاتل من رجال القسّام، بوجه مغطى بالسواد، يتسلل كطيفٍ خفيّ، صامت إلا من أنفاسه المتقطعة التي تحمل في طياتها عزيمة جبل لا يلين.
خطواته مرسومة بدقة، كأنه يحفظ تفاصيل الأرض شبراً شبراً. يحمل بندقيته كأنها امتداد لروحه، يزحف تحت سياج الزمن، يدنو أكثر فأكثر من هدفه، يقابلهم مباشرة؛ حيث يقف جنود الاحتلال في يقين زائف، تحرسهم آلات الحرب الثقيلة، معتقدين أن الرعب ملكٌ لهم وأن القوة حكرٌ عليهم.
لكن اللحظة الفاصلة جاءت. عيناه لا ترفّان، والمدفع مصوّب على صدره. كل شيء يوحي بالنهاية، وكأن القدر يكتب آخر سطور حياته. غير أن المشهد لا يكتبه إلا رب القدر.
فجأة، تنفجر الأرض تحت أقدام العدو. نيران تتطاير من حيث لا يحتسبون، صرخات تتبعثر في الهواء، والدخان يملأ المكان كستارٍ سماوي يخفي ما وراءه. في قلب ذلك الدخان، يخرج المقاتل شامخًا، حيًّا، ثابت الخطى، كأنه لم يمر بالموت لحظة واحدة. يواصل طريقه دون أن يلتفت خلفه، كأن الملائكة تحيط به من كل جانب، وكأن قوانين الكون توقفت احترامًا لخطواته.
وفي تلك اللحظة، يتردد صوته بين الأزقة المحطمة، قوياً يبدد رجفة القلوب:
"إن بعض المسؤوليات اصطفاء، وإن المعركة صعبة، ولكن الله لا يعطي أصعب المعارك إلا لأقوى جنوده.. فانطلقوا على بركة الله."
إنها ليست مجرد عملية فدائية في معركة "حجارة داوود"، بل لحظة تجاوزت حدود الزمن، لتقول للعالم: هنا رجالٌ يواجهون الموت بابتسامة، ويخرجون من قلب النار أحياء، لأنهم حملوا في قلوبهم سرًّا لا يعرفه إلا المؤمنون: اليقين بنصر الله.
صوت من المجهول يقول لعدوه:"نحن هنا من أمامك ومن خلفك، ولن يكون في ملك الله إلا ما أراد الله". لا يحمل هذا المقاتل في يديه الكثير من الأسلحة، لكنه يحمل يقينًا أكبر من كل الدبابات والأسلحة والمدرعات، وبه يكمل المسير.