من قلب النار بدأت الحكاية
غزة تشتعل بالدمار، والسماء لا تعرف سوى هدير الطائرات، والأرض مثقلة بالركام.
وسط ذلك، كان الصحفي محمد سلامة يجري بكاميرته بين الأزقة المدمرة، يوثق ما تبقى من حياة، وينقل للعالم أنفاس مدينة تُذبح كل يوم. وفي الزاوية الأخرى، كانت الصحفية هلا عصفور تركض بالكاميرا بين الرماد والرصاص، تلتقط الصور وتلاحق القصص.
تعرفا على بعضهما في مستشفى ناصر بخان يونس، حين كان محمد يوثق الجرحى وهلا تكتب قصصهم. بين صرخات الألم وأجهزة التنفس ودموع الأهالي، كأن القدر أراد أن يولد الحب في قلب أكثر الأماكن وجعًا.
ومنذ ذلك اليوم، صارا يلتقيان كثيرًا في الميدان، ينسقان التغطيات، يتبادلان الكلمات القصيرة، ويشدان على أيدي بعضهما في مواجهة الخطر.
كانت هلا تقول له: "سنكتب قصتنا بعد أن تنتهي الحرب." فيبتسم محمد ويرد: "قصتنا بدأت ولن تنتهي."
منذ ذلك اليوم، لم يكن اللقاء عابرًا. صارا يلتقيان في الميدان، يواسي أحدهما الآخر بابتسامة صغيرة وسط الدمار، يتقاسمان الخبز الجاف وزجاجة ماء في ساعات التغطية الطويلة. ومع الوقت، صار بينهما وعد غير مكتوب: أن يكملا الطريق معًا، وأن يكتب محمد صورتهما في عدسته، بينما تكتب هلا قصتهما في دفترها.
ثم جاءت طائرات الاحتلال التي لا تترك للحب متسعًا.
اليوم، عاد القدر إلى مستشفى ناصر، المكان الذي جمعهما، ليكون شاهدًا على الفراق الأخير.
استهدفت طائرات الاحتلال الطابق الأخير للمستشفى؛ آثناء تغطية الصحافيين لقصف سابق في نفس المكان فباغتتهم الطائرات.
ارتقى محمد شهيدًا مع أربعة من زملائه الصحفيين، وعشرات المصابين والشهداء تاركًا هلا بين يديها كاميرته، وعلى كتفيها ثقل الغياب.
هلا، التي حلمت ببيت صغير وبداية هادئة بعد انتهاء الحرب، وجدت نفسها الآن بنصف قلب ونصف روح لتكمل التغطية بدموعها.
الحب الذي وُلد تحت القصف والرماد، اغتيل تحت الركام. ومع ذلك، بقيت هلا شاهدة على الحكاية:
حكاية صحفي أحب الحياة والحقيقة، ورحل وهو يكتب سطره الأخير بدمه.