في لحظة واحدة، تبدّد كل شيء. لا بيت، لا خيمة، ولا حتى أصوات الأطفال التي كانت تملأ المكان. في خانيونس، جنوب قطاع غزة، وتحت خيمة بائسة نصبتها العائلة بعد نزوح متكرر، دوّى القصف (الإسرائيلي) ليقتلع من الأم براء أبو زايد (28 عامًا) أعز ما تملك: أبناءها الأربعة عبيدة وعبد الله وحمزة وبانا. رحلوا جميعًا دفعة واحدة، وبقيت هي تصرخ بأعلى صوتها: "ماتوا أولادي الأربعة، ماتوا وهما جوعانين".
صرختها لم تكن مجرد كلمات، بل جرح مفتوح يفضح حجم المأساة في غزة، حيث الموت لم يعد يفرّق بين الأطفال النائمين والمجوعين الباحثين عن لقمة تسند حياتهم.
الأم المكلومة لم تنجُ من القصف، إذ أصيبت بجروح بالغة، تركت في جسدها ندوبًا قد ترافقها ما تبقى من عمرها. أطباء مستشفى ناصر بخانيونس أكدوا أن براء تعاني من كسور في الجمجمة واليد، وجروح غائرة التهمت أجزاء من جسدها. الالتهابات تسابق الوقت في أطرافها، وتهددها بخطر البتر، بينما الشظايا المغروسة في عمق جسدها تفرض عليها عمليات جراحية متكررة كل يومين، في محاولة يائسة لتثبيت حياتها الهشة.
في أروقة المستشفى، يقف الأطباء عاجزين أمام حالتها. "هي بين الحياة والموت"، يقول أحدهم بصوت منخفض، مضيفًا أن "الفرصة الوحيدة لإنقاذها هي خروجها فورًا للعلاج خارج غزة، وإلا فإن حياتها مهددة بالانطفاء في أي لحظة".
لكن الخروج من غزة ليس بالأمر اليسير. آلاف الجرحى ينتظرون فتحَ معبرٍ مغلقٍ منذ شهور طويلة، أو سماحًا بمرور إنساني، بينما يراقبون تدهور أوضاعهم ساعة بعد ساعة. بعضهم يرحل بصمت قبل أن يصل اسمه إلى قوائم السفر. وبراء قد تكون واحدة من هؤلاء إذا لم تصل الاستجابة العاجلة.
لا يخفى على أحد أن قصة براء تمثل وجهاً جديدًا للمأساة الإنسانية في القطاع. أمّ فقدت أبناءها الأربعة في لحظة، ووجدت نفسها وحيدة تصارع الموت بين جدران مستشفى يفتقد لأبسط الإمكانيات الطبية بسبب الحصار ونفاد الأدوية. ومع كل عملية جراحية تخضع لها، يتردد صدى صرختها الأولى في أذهان من حولها: "ماتوا وهما جوعانين". كلمات تعكس ليس فقط موت أبنائها تحت القصف، بل معاناتهم مع الجوع الذي صار رفيقًا للأطفال في غزة، حيث الحصار يطحن ما تبقى من مقومات الحياة.
إلى جانب السرير الأبيض، لا صورة ولا لعبة بقيت لتواسيها. الغرفة التي كانت تضج بأربعة أصوات تحولت إلى صمت مطبق. وجوه الأطفال الأربعة التي رحلت معًا، صارت طيفًا يلاحق أمهم في كل لحظة، وهي عاجزة حتى عن النهوض لتوديعهم.
يقول أحد أقاربها إن براء كانت تحلم فقط ببيت آمن يجمعها مع أطفالها، بيت لا تلاحقه الغارات ولا يطارده الجوع. لكن كل شيء انتهى في لحظة، ولم يبقَ لها سوى معركة صعبة مع الألم، ومع سباق محموم بين بقاءٍ محتمل أو رحيل آخر.
في غزة، ليست براء حالة استثنائية، بل حكاية تتكرر بأشكال مختلفة في كل حي ومخيم وشارع. غير أن ألمها مضاعف؛ فقدان أبنائها الأربعة دفعة واحدة، ومعركة شخصية مع الموت لا تزال مستمرة. وبينما تتشبث بخيط رفيع من الأمل، تبقى حياتها معلقة بقرار إنساني يسمح بإنقاذها قبل أن تلحق بأطفالها.