المقاومة بين المحافظين عليها والمتواطئين ضدها

متابعة_ الرسالة نت

يروي الكاتب ممدوح الولي في مقاله المنشور على موقع عربي21 (31 أغسطس 2025) تجربته الشخصية في سنوات الطفولة خلال حرب عام 1967، حين كانت المدارس المصرية تعجّ بلافتات كتب عليها: "عدونا أمريكا وإسرائيل". ويقارن بين ذلك الموقف الشعبي الرافض، وبين ما جرى لاحقًا بعد حرب 1973، حين استقبل الرئيس المصري أنور السادات الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون استقبالًا جماهيريًا واسعًا، رغم الدور الأمريكي الحاسم في دعم "إسرائيل".

يصف الولي كيف سافر بنفسه مع حشود إلى مطار القاهرة لمشاهدة وصول نيكسون، ولاحظ الهتافات المرحبة به، في مشهد يعكس بداية تحوّل في المزاج الشعبي المصري، تحت تأثير سياسة الانفتاح على واشنطن والمعونات الأمريكية التي تدفقت على مصر لاحقًا. 

لكنه يلفت إلى أن هذه المعونات اتخذت أشكالًا أثارت السخرية أو الريبة، مثل الحافلات التي تعطلت سريعًا أو برامج تنظيم الأسرة، فيما حُرمت قطاعات حيوية كالإسكان من الدعم.

 

معاهدات السلام وتقليص الدور العربي

يؤكد الكاتب أن السياسة الأمريكية اعتمدت على دفع الحكام العرب لعقد معاهدات مع "إسرائيل"، مقابل معونات سنوية عسكرية واقتصادية، وهو ما حدث مع مصر أولًا، ثم الأردن باتفاقية وادي عربة، والسلطة الفلسطينية عبر أوسلو، ومحاولة لم تكتمل في لبنان. 

ويشير إلى أن الهدف كان تحييد الدور العربي وتقليل تكلفة المواجهة المباشرة، عبر ربط اقتصادات الدول العربية بالتجارة الإسرائيلية، مثل اتفاقية الكويز عام 2004 التي اشترطت مكوّنًا إسرائيليًا في الصادرات المصرية.

 

الموقف الأمريكي الثابت تجاه فلسطين

يطرح الولي سؤالًا محوريًا: هل تغيّر الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية منذ عام 1967 حتى اليوم؟ ويجيب: "لا جديد على الإطلاق". 

فما زالت الولايات المتحدة تمدّ "إسرائيل" بالسلاح والمال والحماية السياسية، وتتبنى روايتها الكاذبة، وتشاركها في مخططات التوسع الاستيطاني والتهجير القسري. 

ويضيف أن واشنطن تسعى لإفشال نموذج المقاومة الإسلامية في غزة، وأن كراهيتها للإسلام تتجلى كلما ازداد صمود الغزيين، وهو ما يدفعها للتواطؤ مع أنظمة عربية وإسلامية من أجل محاصرة المقاومة دون أن تتحمل تكلفة المواجهة المباشرة كما حدث في العراق وأفغانستان.

 

صناعة الحكام وتطويع الأنظمة

يتتبع الكاتب جذور التدخل الأمريكي في صناعة القيادات العربية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، عندما جرى إدخال ضباط مصريين بترتيبات خاصة إلى الكلية الحربية، ليتضح لاحقًا أنهم قادة انقلاب 1952. ويستشهد بكتاب محمد جلال كشك "ثورة يوليو الأمريكية" الذي وثّق تلك المرحلة، مبرزًا دور السفارة الأمريكية في حماية الضباط وضمان تنحي الملك فاروق.

ويستعرض أمثلة حديثة، مثل صعود قائد الجيش اللبناني لرئاسة الجمهورية بهدف تقييد سلاح حزب الله، والتدخلات الأمريكية في باكستان وإندونيسيا وفلسطين، وحتى في الكويت، حيث وصل ضابط أمن دولة إلى الحكم وعلّق البرلمان دون اعتراض غربي، رغم شعارات الديمقراطية التي يرفعها الغرب.

 

النخب المأجورة ومنظمات المجتمع المدني

يرى الولي أن الغرب لم يكتفِ بالاتفاقيات السياسية والعسكرية، بل صنع نخبًا سياسية وثقافية للترويج للتطبيع مع "إسرائيل"، عبر منظمات المجتمع المدني، الأحزاب، الصحف، والمراكز البحثية. 

ويشير إلى مجموعة "كوبنهاجن" التي ضمت مصريين وأردنيين وفلسطينيين لتسويق فكرة السلام. وقد لعبت هذه الكيانات، بحسب الكاتب، دورًا في شيطنة المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية والأفغانية، عبر الإعلام والتمويل الغربي.

 

الحصار وتفكيك المقاومة

يخلص الولي إلى أن تواطؤ الولايات المتحدة و"إسرائيل" والغرب مع الحكام العرب والنخب المأجورة أدى إلى حصار المقاومة الفلسطينية في غزة، وقطع الغذاء والدواء والوقود عنها، وتدمير مرافقها الصحية والتعليمية، وتشويه قادتها. 

ويشير إلى مؤتمر نيويورك الأخير الذي رعته السعودية وفرنسا، والذي دعا علنًا إلى نزع سلاح المقاومة.

ويحذّر الكاتب من أن تجارب التاريخ أثبتت خطورة التخلي عن السلاح، مستشهدًا بمجازر صبرا وشاتيلا بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان عام 1982، ومذابح البوسنة، وضعف أوكرانيا بعد تسليم سلاحها النووي، ونهاية مأساوية لمسلمي غرناطة بعد تسليم سلاحهم.

 

مهمة الشعوب

يؤكد ممدوح الولي أن الحفاظ على سلاح المقاومة في غزة ولبنان واليمن وغيرها أصبح مهمة الشعوب، بعد أن تواطأ الحكام مع "إسرائيل" والغرب. 

ويرى أن نشر ثقافة الجهاد بالمال والنفس في المجتمعات الإسلامية ضرورة استراتيجية، إذ لا يمكن مواجهة المشروع الصهيوني التوراتي إلا بمقاومة متمسكة بدينها. 

ويختم بالإشارة إلى أن العدوان الإسرائيلي لم يعد يستهدف غزة وحدها، بل يطمع في إعادة رسم خريطة المنطقة من النيل إلى الفرات، وهو ما يجعل التمسك بالمقاومة واجبًا وجوديًا.