لم تعد الحرب في قطاع غزة تقتصر على القصف الجوي أو المدفعي كما اعتاد العالم أن يشاهد في العقود الماضية، بل دخلت مرحلة أكثر قسوة عبر استخدام آليات عسكرية مفخخة يجري التحكم بها عن بعد، لتتحول إلى روبوتات قاتلة تطلق داخل الأحياء المدنية المكتظة.
هذه العربات المفخخة، التي يعيد الجيش الإسرائيلي توظيفها بعد تفكيك ناقلات جنود قديمة أو تزويدها بصناديق ضخمة مليئة بالمتفجرات، أصبحت اليوم أداة مركزية في استراتيجية عسكرية تهدف إلى محو مدينة غزة من الخارطة.
وتتميّز هذه الروبوتات المفخخة بقدرتها على حمل أطنان من المواد شديدة الانفجار، وهو ما يجعلها قادرة على تدمير مربعات سكنية كاملة في لحظات قليلة.
تدمير شامل
ولعل الأخطر من ذلك أن بعضها لا يستهلك في عملية التفجير نفسها، بل يستخدم لإفراغ حمولته ثم يعود إلى مشغليه لإعادة تعبئته، ما يكشف عن تصميم متكرر ومدروس لتوسيع حجم الدمار المضاعف.
هذا الأسلوب لا يستخدم فقط كسلاح تقني لتدمير الأبنية بل يتعداه إلى ممارسة متعمدة من "الإرهاب النفسي" ضد المدنيين، إذ يجري تفجير معظم هذه العربات في ساعات الليل أو الفجر، حيث يهتز قطاع غزة بأصوات الانفجارات التي تسمع على مسافات تتجاوز 40 كيلومترا، لتزرع الرعب والذعر وتدفع السكان نحو النزوح القسري.
وكان أول توثيق لاستخدام العربات المفخخة (الإسرائيلية) في مايو/أيار وأكتوبر/تشرين الأول 2024 خلال الحملتين العسكريتين ضد مخيم جباليا شمالي القطاع.
ومنذ ذلك الحين، توسّع نطاق استخدامها بشكل مطّرد ليشمل مناطق واسعة من غزة أبرزها أحياء الزيتون والصبرة والشجاعية والتفاح، إضافة إلى مناطق الصفطاوي وأبو إسكندر شمال غرب المدينة.
بدوره، قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إن الجيش الإسرائيلي يدمّر يوميا في مدينة غزة وبلدة جباليا نحو 300 وحدة سكنية كليا أو جزئيا عبر استخدام ما يقارب 15 عربة مفخخة محمّلة بما يناهز 100 طن من المتفجرات
وأوضح المرصد أن هذا الرقم الضخم يعكس حجم الدمار غير المسبوق الذي يستهدف البنية التحتية المدنية، ويضع غزة أمام كارثة إنسانية متصاعدة.
ومنذ إنهاء (إسرائيل) ما سمّته "الهدنة الإنسانية المؤقتة"، رصد المرصد الأورومتوسطي تضاعف وتيرة استخدام هذه العربات المفخخة من 7 إلى 15 عملية تفجير يوميا، مشيرا إلى أن كل عربة تحمل أحيانا ما يصل إلى 7 أطنان من المتفجرات، قادرة على تسوية 20 وحدة سكنية بالأرض دفعة واحدة. "وهذا يعني أن آلاف العائلات الفلسطينية تفقد منازلها بشكل متواصل ما يفاقم أزمة النزوح والبحث عن مأوى في ظروف تكاد تكون معدومة لمقومات البقاء".
أبعاد أخرى
ولا يتوقف أثر هذه التفجيرات عند حدود المباني المهدمة فالدوي الهائل للانفجارات يهز المدينة بأكملها ويحوّل الليل إلى جحيم من أصوات الانفجار والارتجاج، في مشهد أقرب إلى الزلازل المستمرة.
ولعل هذا الإرهاب النفسي المقصود يهدف إلى ترهيب المدنيين ودفعهم قسرا للرحيل، في إطار استراتيجية أشمل لتفريغ المدينة من سكانها.
وينظر إلى هذه الممارسات باعتبارها جزءا من خطة (إسرائيلية) طويلة الأمد لمحو مدينة غزة بالكامل، حيث تشير التقديرات إلى أنه في حال استمرار الوتيرة الحالية قد يستغرق الأمر أقل من شهرين لتدمير معظم ما تبقى من أحيائها، مع تصعيد محتمل يزيد من سرعة هذا السيناريو الكارثي.
في حين، أكد المرصد الأورومتوسطي أن غياب أي ضغط دولي فعال على (إسرائيل) ساعد على استمرار هذه السياسة العلنية، دون الحاجة حتى إلى ذرائع قانونية أو عسكرية، "فالمجتمع الدولي يقف عاجزا أو متواطئا أمام مشاهد تدمير شامل لمنازل المدنيين، وتشريد مئات الآلاف في ظروف إنسانية مميتة".
ولفت المرصد إلى أن هذا الصمت لا يمنح (إسرائيل) فقط مساحة أكبر للاستمرار في عملياتها، بل يرسخ واقعا جديدا على الأرض يهدد مستقبل الفلسطينيين وحقهم في البقاء على أرضهم، لافتا إلى إن تدمير البنية التحتية ونسف الأحياء السكنية يعني محو أي إمكانية لعودة الحياة الطبيعية في المدينة، ما يفتح الباب أمام تغيير ديموغرافي وجغرافي قسري".
وشدد المرصد على أن خطورة استخدام العربات المفخخة لا تتوقف عند إزهاق الأرواح وتشريد السكان، بل تكمن أيضا في الآثار الممتدة لهذه العمليات، "فإزالة البنية التحتية بأكملها من منازل ومدارس ومستشفيات يقضي على أي مقومات لإعادة الإعمار أو استئناف دورة الحياة".
وختم المرصد بيانه: "الأمر لا يتعلق فقط بمرحلة الحرب، بل بخلق واقع دائم من الدمار يصعب تجاوزه حتى في حال توقف العمليات العسكرية، وهذا ما يجعل الروبوتات المفخخة أخطر من مجرد سلاح تكتيكي لتصبح أداة استراتيجية لإبادة المدن وإلغاء وجودها".