دخلت الساحة السياسية والدبلوماسية في الساعات الأخيرة على وقع تصريحات لافتة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن أنه يتوقع التوصل إلى اتفاق بشأن غزة "قريبًا جدًا"، ملوّحًا بما سماه "التحذير الأخير" لحركة حماس. هذا الموقف أثار ردود فعل متباينة؛ بين من رأى فيه محاولة لإنهاء الحرب عبر ضغط سياسي مباشر، ومن اعتبره مجرد غطاء لمراوغة إسرائيلية جديدة لإطالة أمد العدوان.
ترامب، وفق وكالة رويترز، زعم أن الإسرائيليين قبلوا بشروطه، داعيًا حماس إلى القبول بها فورًا، وإلا فإن العواقب ستكون وخيمة.
وفي مقترحه، كما كشفت هيئة البث العبرية وقناة 12، يتضمن اليوم الأول للصفقة إطلاق سراح 48 أسيرا لدى المقاومة، بينهم قتلى، مقابل الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين من أصحاب الأحكام العالية وآلاف المعتقلين، إضافة إلى وقف عملية "مركبات جدعون 2" في غزة وفتح مسار تفاوضي بإدارة شخصية من ترامب. هذا الخطاب حمل في طياته نزعة استعراضية، تهدف لإظهار ترامب كـ"صانع صفقات" في قلب الأزمة.
موقف حماس
في المقابل، ردّت حركة حماس ببيان رسمي رحّبت فيه بأي تحرك لوقف العدوان، مؤكدة استعدادها للجلوس إلى طاولة المفاوضات "فورًا"، ولكن ضمن شروط واضحة: إنهاء الحرب بشكل معلن، الانسحاب الكامل من قطاع غزة، وتشكيل لجنة فلسطينية مستقلة لإدارة القطاع.
الحركة شدّدت أيضًا على ضرورة وجود ضمانات ملزمة حتى لا تتكرر تجارب سابقة، مثل اتفاق 18 أغسطس 2025 الذي وافقت عليه في القاهرة بناءً على مقترح أميركي، لكن الاحتلال تجاهله واستمر في مجازره.
عرض إسرائيلي بملصق أميركي
الكاتب الصحفي وسام عفيفة قدّم قراءة نقدية حادة، معتبرًا أن العرض الذي وصل حماس أقرب إلى "نسخة إسرائيلية قديمة بملصق أميركي".
وضرب مثالًا تشبيهيًا: "تمامًا كما يُصنع الآيفون في الصين، ثم يُكتب عليه Designed in California".
عفيفة لفت إلى أن البنود تضمنت إطلاق سراح الرهائن خلال 48 ساعة، الإفراج عن أسرى فلسطينيين محكومين بالمؤبد، وقف إطلاق نار مؤقت، وفتح ملفات حساسة كتعريف حماس ونزع سلاحها وتشكيل حكومة جديدة.
لكنه شدّد على أن أي مبادرة بلا وقف حرب صريح وانسحاب لن تكون سوى "نسخة باهتة من عروض سابقة".
مراوغة نتنياهو وتواطؤ ترامب
من جهته، رأى الكاتب إياد القرا أن مبادرة ترامب ليست سوى انعكاس لمراوغة إسرائيلية. وأوضح أن المقترح جاء بصياغة مستشار نتنياهو رون درمير، بدعم أميركي، ما يعني أن "إسرائيل" تحصل أولًا على أسراها، فيما يُترك وقف الحرب رهينة لمفاوضات لاحقة.
القرا ذكّر بتجارب سابقة، مثل تهرّب نتنياهو في مارس الماضي من المفاوضات واستئناف عدوانه رغم وساطات مصر وقطر، ما يجعل أي صفقة جديدة بلا ضمانات صارمة محفوفة بالمخاطر.
وأكد أن السيناريوهات تتراوح بين صفقة جزئية تُبقي الحرب مفتوحة، أو تصعيد دموي قبل التفاوض، أو صفقة شاملة تنهي الحرب، أو فشل كامل يكرّر دوامة الدم.
لكنه شدّد على أن أي مقترح لا يضع وقف الحرب كأولوية أولى سيكون مجرد غطاء سياسي لاستمرار العدوان.
وبين إنذار ترامب الأخير، وترحيب حماس المشروط، وتحليلات الصحفيين الفلسطينيين، تتضح ملامح معادلة معقدة: واشنطن تسعى لإظهار نفسها كوسيط حاسم، بينما ترى المقاومة أن الضمانة الوحيدة لأي اتفاق هي وقف العدوان والانسحاب الفوري.
وفي حين يقرأ وسام عفيفة العرض على أنه "إعادة تدوير إسرائيلية"، يحذّر إياد القرا من تحوله إلى "مراوغة جديدة لنتنياهو"، وعليه، يبقى جوهر القضية أن غزة لا تبحث عن صفقة جزئية أو هدنة مؤقتة، بل عن إنهاء حقيقي للحرب والإبادة المستمرة.