أثار العدوان الإسرائيلي على العاصمة القطرية الدوحة، مطلع هذا الأسبوع، عاصفة من ردود الفعل السياسية والإعلامية، كونه سابقة خطيرة في سجل السياسات الإسرائيلية التوسعية.
الهجوم لم يكن مجرد عملية عسكرية استهدفت قادة من حركة حماس، بل حمل في طياته رسائل سياسية واستراتيجية أوسع، سواء تجاه قطر بصفتها وسيطاً أساسياً في المفاوضات، أو تجاه المنطقة العربية برمتها.
الكاتب والباحث محمد هلسة تناول هذا العدوان في مقاله المنشور عبر الميادين، مقدّماً قراءة معمقة لأبعاده، وساعياً إلى وضعه في سياق أوسع من مجرد عملية عسكرية ظرفية.
أبعاد الهجوم وتوقيته
يرى هلسة أن النقاش الإسرائيلي الداخلي لم ينصبّ حول شرعية الضربة – رغم خرقها الصريح للقانون الدولي وسيادة الدول – بل انحصر في قضيتين:
1. تأثير العملية على ملف الأسرى الإسرائيليين: إذ حذّر مسؤولون أمنيون، مثل رئيس "الموساد"، من أن التوقيت قد يُطيح بمسار المفاوضات الجارية، ما يقلل فرص إطلاق سراح الأسرى المتبقين. ورغم ذلك، لم يعارضوا مبدأ العملية نفسه، بقدر ما سعوا للتنصل من تبعاتها المحتملة.
2. التطلعات الاستراتيجية الإسرائيلية: غالبية الأوساط الإسرائيلية رحبت بالضربة، معتبرة أنها قد تحقق "إنجازاً استراتيجياً" أكبر من أي مسار تفاوضي، حتى لو كان الثمن تعريض حياة الأسرى للخطر.
وبذلك، يصبح الهجوم في نظر الكاتب جزءاً من "إدارة المخاطر" التي تتبعها "إسرائيل"، سعياً لتحقيق ردع فوري ولو على حساب أزمة طويلة الأمد.
حسابات نتنياهو والولايات المتحدة
يشير هلسة إلى أن العملية لم تكن ردة فعل انفعالية على عملية القدس الفدائية، بل كانت ثمرة خطط إسرائيلية قديمة وُضعت منذ اندلاع حرب غزة.
نتنياهو لم يُدخل في حساباته كثيراً احتمال تدهور العلاقة مع واشنطن، خصوصاً وأن "إسرائيل" تدرك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيكتفي بانتقادات شكلية حفاظاً على ماء الوجه أمام الحلفاء العرب، دون أن يصل الأمر إلى أزمة حقيقية مع تل أبيب.
بل إن بعض الروايات تشير إلى أن "إسرائيل" فضّلت قطر على تركيا كساحة للتنفيذ، انطلاقاً من حسابات الكلفة السياسية: ففي حين أن أنقرة – كعضو في الناتو – كانت سترد بقوة على أي انتهاك، اعتقدت "إسرائيل" أن الدوحة ستكون أقل تصعيداً وأكثر قابلية للاحتواء الأميركي.
رسائل إلى قطر والمنطقة
يرى الكاتب أن الضربة حملت رسالة مزدوجة:
إلى حماس: أن قادتها ليسوا بمأمن حتى في العواصم البعيدة.
إلى قطر: أن دورها كوسيط محايد ودولة مضيفة ليس كافياً لحمايتها من الاعتداءات الإسرائيلية.
بل إن رئيس الكنيست الإسرائيلي صرّح صراحةً بأن "الهجوم على الدوحة رسالة للشرق الأوسط كله"، في إشارة إلى محاولة فرض معادلات جديدة تتجاوز سيادة الدول وحدودها.
المواقف الدولية والعربية
معظم دول العالم أدانت الاعتداء على قطر باعتباره انتهاكاً سافراً للقانون الدولي ولقواعد الحصانة الدبلوماسية، بل اعتبره البعض اعتداءً على أمن الخليج بأسره.
ويطرح هلسة تساؤلاً محورياً: هل سيكتفي العرب بالإدانة، أم يتخذون خطوات عملية تفرض على إسرائيل عواقب ملموسة؟
الكاتب يرى أن الدعوة القطرية إلى عقد قمة عربية-إسلامية طارئة قد تمثل فرصة تاريخية لصياغة موقف موحّد، قادر على إعادة ضبط العلاقة مع "إسرائيل" ووقف تمدد "جغرافيا الاستباحة" إلى عواصم عربية جديدة.
ويخلص محمد هلسة إلى أن الهجوم على الدوحة يجسد غطرسة إسرائيلية متزايدة، تستند إلى منطق القوة لا إلى الشرعية.
ورغم أن العملية قد تفشل في تحقيق هدفها المباشر بالقضاء على قيادة حماس، فإنها تسعى لترسيخ معادلة إقليمية جديدة تجعل كل العواصم العربية عرضة لمصير شبيه بمصير غزة.
ويحذر الكاتب من أن غياب موقف عربي موحد وحازم سيجعل "جغرافيا الاستباحة الإسرائيلية" تتوسع أكثر فأكثر، لتتحول من استهداف القطاع المحاصر إلى تهديد أمن دول الخليج والعالم العربي بأسره.