يواصل الاحتلال (الإسرائيلي) حربه الشاملة على قطاع غزة من خلال سياسة الاستهداف المباشر والمتكرر للتجمعات السكانية ومراكز النزوح والأبراج السكنية، في مشهد يعكس بوضوح منهجية منظمة تهدف إلى ضرب كل أشكال الحياة في مدينة غزة ومختلف مناطق القطاع.
فمنذ بداية العدوان، لم تسلم المدارس ولا المستشفيات ولا مراكز الإيواء من القصف، حيث باتت الخيام والمخيمات المؤقتة هدفا رئيسيا للغارات الإسرائيلية، الأمر الذي حول حياة عشرات الآلاف من المدنيين إلى مأساة يومية، في ظل غياب الحد الأدنى من مقومات الأمن والحماية.
ولا يقتصر الأمر على القصف العشوائي، بل هو عملية مدروسة تستهدف دفع الناس إلى مغادرة بيوتهم وأحيائهم قسرا باتجاه جنوب القطاع، تمهيدا لفرض وقائع جديدة على الأرض.
خطة تهجير منظمة
ويرى مراقبون أن الاحتلال يطبق خطة تهجير منظمة، تقوم على مبدأ "لا مكان آمنا"، بحيث يصبح النزوح هو الخيار الوحيد أمام المدنيين، رغم إدراكهم أن النزوح لا يحمل لهم سوى المزيد من المخاطر والمعاناة.
ويؤكد الغزيون أن استهداف أماكن النزوح ومراكز التجمع ليس عملا عارضا أو نتيجة "أخطاء عسكرية"، كما يدعي الاحتلال في إعلامه، بل هو سياسة ثابتة ومتكررة، إذ لم تسلم أي منطقة أُعلن عنها سابقا "آمنة"، من القصف بعد أيام أو ساعات من توجه النازحين إليها.
ورغم هول الكارثة، يصرّ الآلاف من سكان شمال غزة على البقاء في منازلهم وأحيائهم، متحدّين القصف والحصار، ورافضين الانصياع لسياسات التهجير القسري.
ويقول المواطن أكرم عبد المعطي، أحد سكان حي الشجاعية: "منذ أسابيع ونحن نعيش تحت القصف المستمر، فقدت عائلتي منزلها بالكامل، واضطررنا للجوء إلى مدرسة تحولت إلى مركز إيواء، لكن حتى المدرسة لم تسلم من القصف، الاحتلال يريد أن يجعلنا نرحل، لكننا نؤكد أننا باقون هنا، جذورنا في هذه الأرض ورغم الألم فإن صمودنا هو شكل من أشكال المقاومة".
ويضيف: "أدرك أن حياتنا مهددة في كل لحظة، لكن الرحيل إلى الجنوب لا يعني النجاة، بل يعني بداية رحلة جديدة من العذاب والضياع، نحن نعرف أن الاحتلال يستهدف الناس هناك أيضا لهذا نختار البقاء في أرضنا مهما كان الثمن".
ويختم بالقول: "رسالتي للعالم أن ما يحدث ليس حربا عسكرية ضد مقاومة مسلحة، بل عملية تهجير منظمة تستهدف اقتلاعنا من بيوتنا، ومع ذلك لن نمنح الاحتلال ما يريد".
في حين، تقول المواطنة إخلاص أبو حليمة من سكان بيت لاهيا: "أنا أم لخمسة أطفال، كل ليلة يعيش صغاري حالة من الرعب تحت أصوات القصف والانفجارات، ومع ذلك نرفض مغادرة مدينة غزة التي نزحنا إليها قبل 4 شهور، النزوح مرة أخرى ليس خيارا بالنسبة لنا لأنه يعني بداية فقداننا لكل شيء. البقاء في بيوتنا رغم الخطر أفضل من التشرد إلى المجهول".
وتتابع: "الاحتلال يتعمد ضرب المدارس والمستشفيات والمخيمات التي نلجأ إليها، يريد أن يجعل الحياة مستحيلة، لكنه لا يعرف أن إرادتنا أقوى من كل محاولاته، نحن نتمسك بحقنا في البقاء في أرضنا، وسنواصل الدفاع عن وجودنا بالصمود".
وتؤكد: "رسالتي أن غزة لن تهزم، الاحتلال يقتل ويدمر لكنه لن يستطيع أن يقتلعنا من أرضنا جذورنا أعمق من أن تمحى بالقنابل".
تضليل إعلامي
بدوره، يؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الاحتلال يضلل الرأي العام بادعاء استهداف المقاومة، بينما يشن في الحقيقة قصفا ممنهجا للأبراج السكنية والمدارس والمساجد والمراكز الطبية، ويدمر خيام النازحين ويستهدف المؤسسات الإنسانية، بما فيها مؤسسات دولية.
ويشير المكتب إلى أن الاحتلال يحاول تغطية جرائمه المنظمة عبر ترويج سرديات مضللة في وسائل الإعلام، لكنه في الواقع ينفذ جرائم إبادة جماعية وتطهيرا عرقيا وتهجيرا قسريا بحق المدنيين العُزّل.
ويضيف: "هذه الممارسات، وفق توصيف القانون الدولي تعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة وتستوجب الملاحقة أمام المحاكم الدولية، إن ما يعلنه الاحتلال بشأن القضاء على المقاومة ليس إلا غطاء زائفا يخفي تحته عمليات قتل وتدمير وتهجير تستهدف ضرب كل مقومات الحياة في غزة".