في تصعيد أمني لافت خلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت فصائل المقاومة في قطاع غزة تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت أشخاصاً وُصِفوا بأنهم عملاء للتعاون مع الاحتلال؛ آخرها إعدام ثلاثة متهمين في مدينة غزة، وعملية سابقة شملت تصفية ستة آخرين في شمال القطاع.
تأتي هذه الإجراءات العلنية في سياق سياسة ميدانية واضحة تهدف إلى قطع أوصال شبكات التجسس والاختراق التي ترى فيها المقاومة تهديدًا وجوديًا للجبهة الداخلية.
ولم تكتفِ الفصائل بعمليات ميدانية فحسب، بل عمدت إلى الإعلان عنها ببيانات رسمية وصياغات مباشرة، ما يعكس اعتماداً متعمداً على البُعد الإعلامي لتلك العمليات.
وفق بيان المقاومة، فالمعتقلون المعلن عن إعدامهم "تورطوا بالتخابر مع أجهزة استخبارات العدو والإضرار بأبناء شعبنا ومقاومتنا".
وفي قراءة تحليلية لهذه الخطوة، يقول الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية رامي أبو زبيدة إن الإعلان العلني عن الإعدامات يملك ثلاثة أهداف متوازية: أولها الردع المباشر لكل من يَسول له نفسه التعاون مع الاحتلال، وثانيها طمأنة الشارع بأن الأجهزة الأمنية تعمل ليل نهار، وثالثها قطع الطريق أمام محاولات الاحتلال لبث الشائعات وزرع البلبلة داخل المجتمع الغزي.
من هم المستهدفون ولماذا الآن؟
وبحسب محللين وأدلّة أمنية سابقة تُشير إليها قيادات ميدانية، يعتمد الاحتلال على فئات هشّة اجتماعيًا —سواء من أصحاب السوابق أو تجار مخدرات أو من هم تحت ضغوط مادية— في عملية تجنيد العملاء.
ويضيف أبو زبيدة في تحليل على قناته بتيلجرام أن بعض الملفات الأمنية كشفت عن عملاء مارسوا مهاماً خطيرة وصلت إلى جمع معلومات، نقل معدات، وحتى إشعال فتنة أسرية بهدف تفكيك بنية المجتمع المحلي.
وتعدد هذه السلوكيات يُفسر تبني المقاومة لسياسة "الردع العلني" في ظل حرب تتميز بقدر كبير من الاعتماد على معلومات الميدان والتنسيق الاستخباراتي.
التوقيت أيضاً ليس عشوائياً؛ فتصاعد عمليات الاختراق خلال فترات المواجهة المكثفة يجعل أي ثغرة في الأمن الداخلي قابلة للاستغلال بشكل يؤدي إلى مزيدٍ من الخسائر البشرية والميدانية. لذلك، تفسر قيادة الميدان هذه العمليات كجزء من "معركة وجودية" تستوجب إجراءات حاسمة لا تقتصر على المواجهة العسكرية التقليدية.
وفي بيان صادر عن قوة تُعرَف باسم "رادع" أكدت تنفيذ كمين في دير البلح استهدف عنصرين متهمين بالتنسيق مع العدو أثناء تحركهما للقيام بعملية إجرامية.
وأسفر الاشتباك عن مقتل أحدهما وإصابة الآخر، بحسب البيان، الذي شدد على أن "الميدان لن يرحم الخونة" وأن الملاحقة ستستمر حتى "استئصال بقايا الفساد والخيانة".
مثل هذه العمليات الميدانية، ذات الطابع التكتيكي والعلني في الوقت نفسه، تعكس رغبة في إبراز قدرة الأجهزة الأمنية غير النظامية على العمل الاستخباراتي والعملياتي داخل المناطق الحضرية المكتظة بالمدنيين.
الإعدامات العلنية تحمل رسالة مزدوجة: أولاً، إلى الداخل، مفادها أن الخيانة ليست أمراً مقبولاً وأن ثمنها سيكون قاسياً، وثانياً، إلى العدو، مفادها أن شبكات الاختراق يمكن أن تُكتشف وتُعاقَب علناً، ما يزيد من تكلفة أي عملية تجنيد أو اختراق.
ويمكن قراءة سلسلة الإعدامات والإجراءات الميدانية الأخيرة كجزء من سياسة أوسع للمقاومة، تجمع بين العمل الميداني والاستخباراتي والإعلامي لردع ظاهرة العمالة والتجسس.
المقاومة ترى في هذه الظاهرة تهديداً موازياً للتهديد العسكري المباشر، ولذلك تعاملت معها كقضية وجودية تتطلب أدوات ردع قاسية.