في توثيق جازم ضمن سجل العدالة الدولية، أعلنت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة أن «إسرائيل» ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
التقرير، الصادر في جنيف في 16 أيلول/سبتمبر 2025، لم يترك مجالاً للتأويل أو المواربة، إذ أكد أن ما جرى في غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى صيف 2025 لم يكن مجرد "حرب" أو "نزاع مسلح"، بل حملة إبادة جماعية متكاملة الأركان، طالت عشرات الآلاف من الشهداء الفلسطينيين، وأبقت الملايين على حافة المجاعة والفناء.
معايير الإبادة الجماعية وتطبيقها على غزة
اتفاقية 1948 الخاصة بمنع جريمة الإبادة الجماعية تعرّف الجريمة عبر خمسة أفعال رئيسية. وبحسب التقرير، فإن «إسرائيل» ارتكبت أربعة منها:
1. القتل الجماعي: عشرات الآلاف من الفلسطينيين ارتقوا شهداء في قصف عشوائي وممنهج استهدف الأحياء السكنية والمستشفيات والمدارس.
2. الإيذاء الجسدي والنفسي: ملايين المدنيين يعيشون تحت صدمات نفسية عميقة، مع إصابة عشرات الآلاف بعاهات جسدية دائمة.
3. فرض ظروف معيشية قاتلة: سياسة الحصار والتجويع ومنع دخول الماء والكهرباء والدواء، بما يؤدي إلى الفناء الجماعي البطيء.
4. منع الإنجاب: من خلال تدمير البنى التحتية الصحية ومنع الوصول إلى خدمات الرعاية، فضلاً عن استهداف النساء الحوامل.
هذه الأفعال، وفق اللجنة، لم تأت نتيجة خطأ عسكري أو تجاوزات فردية، بل نُفِّذت بنيّة صريحة لإبادة الفلسطينيين كجماعة.
الدليل على النية: التصريحات والسلوك
اعتمد التقرير على معيار "الاستنتاج المعقول الوحيد" الذي وضعته محكمة العدل الدولية. وخلص إلى أن تصريحات قادة «إسرائيل» السياسيين والعسكريين – بمن فيهم الرئيس يتسحاق هرتسوغ، ورئيس الوزراء مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، ووزير الجيش الأسبق يوآف غالانت – تشكّل دليلًا مباشرًا على وجود نية الإبادة.
السياسات الميدانية للقوات «الإسرائيلية» أكدت هذا التوجه: قصف متواصل، تجويع متعمد، منع إمدادات إنسانية، وتجاهل أوامر محكمة العدل الدولية.
استهداف الأطفال بشكل خاص، وهو ما رآه التقرير دليلاً إضافيًا على أن الهدف لم يكن عسكريًا، بل تدميريًا.
مسؤولية الدولة لا الأفراد فقط
أحد أبرز استنتاجات اللجنة أن جريمة الإبادة الجماعية في غزة لا يمكن أن تُنسب إلى أفراد فحسب، بل إلى دولة «إسرائيل» نفسها، بما أنها وفرت الغطاء السياسي والعسكري والإعلامي لهذه الأفعال.
التقرير أوضح أن الدولة لم تفشل فقط في منع الجريمة، بل شاركت بفعالية في تنفيذها.
التداعيات الإنسانية: غزة على حافة الفناء
التقرير رسم صورة مروّعة عن الوضع الإنساني:
مجاعة جماعية: بسبب منع دخول المساعدات الغذائية.
انهيار القطاع الصحي: استهداف المستشفيات والأطباء، ومنع دخول الأدوية.
تدمير التعليم: قصف المدارس والجامعات بشكل ممنهج.
نزوح قسري: مئات الآلاف أُجبروا على ترك منازلهم، بينما بقي نحو مليون فلسطيني محاصرين في مناطق النزاع.
وبينما قدّمت «إسرائيل» هذه السياسات تحت عنوان "مناطق آمنة"، أثبت الواقع أنها مصائد موت جديدة، إذ قُصف المدنيون حتى في الأماكن المعلنة كـ"ملاجئ إنسانية".
صمت المجتمع الدولي = تواطؤ
اللجنة لم تكتفِ بتحميل «إسرائيل» المسؤولية، بل وجهت أصابع الاتهام إلى المجتمع الدولي. نافي بيلاي، رئيسة اللجنة، شددت على أن التقاعس عن التحرك، رغم وضوح الأدلة، يرقى إلى مستوى التواطؤ. وأضافت: "كل يوم من الصمت الدولي يعني المزيد من الشهداء الفلسطينيين، والمزيد من تقويض مصداقية القانون الدولي."
التوصيات: اختبار للمجتمع الدولي
التقرير قدّم سلسلة توصيات صارمة:
1. وقف فوري لحملة الإبادة ورفع الحصار عن غزة.
2. ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
3. مقاطعة توريد السلاح لـ«إسرائيل».
4. ملاحقة الأفراد والشركات المتورطة في الجرائم أمام المحاكم الوطنية والدولية.
أبعاد سياسية وقانونية
هذا التقرير يضع القوى الكبرى – وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا – أمام اختبار أخلاقي وسياسي.
فهذه الدول التي زوّدت «إسرائيل» بالسلاح، تُعتبر من وجهة نظر القانون الدولي متورطة في الجريمة.
كما أنه يفتح الباب واسعًا أمام دعاوى قانونية في المحكمة الجنائية الدولية، ومحاكم أوروبية قد تعتمد مبدأ "الولاية القضائية العالمية".
وبعد عامين من حرب الإبادة، قدّم الفلسطينيون عشرات الآلاف من الشهداء في مواجهة أعتى آلة عسكرية في المنطقة. اليوم، لم يعد توصيف الجرائم في غزة مسألة جدل سياسي، بل حقيقة قانونية موثقة: «إسرائيل» ارتكبت إبادة جماعية.
ويبقى السؤال: هل يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذ ما تبقى من شعب محاصر، أم سيظل الصمت سيد الموقف حتى تتحول غزة إلى شاهد صامت على فشل النظام الدولي في منع أخطر الجرائم ضد الإنسانية؟