تواجه (إسرائيل) تحديًا ديموغرافيًا غير مسبوق، يتمثل في نزيف الهجرة العكسية وتراجع أعداد الوافدين الجدد، وهو تحول يعكس بوضوح أثر الأزمات السياسية الداخلية والحروب المتواصلة على مستقبل الكيان واستقراره الاجتماعي.
وكشف تقرير نشره موقع "زمان يسرائيل" أن (إسرائيل) تشهد لأول مرة منذ عقود حالة غير مسبوقة، إذ فاق عدد اليهود المغادرين لها عدد القادمين إليها، وذلك بعد اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
ووفقًا لبيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، فإن الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 شهدت وصول 11,314 مهاجرًا فقط، بانخفاض حاد بنسبة 42% مقارنة بعام 2024، ونحو 60% مقارنة بعام 2023، حين ارتفعت أعداد المهاجرين بسبب الحرب في أوكرانيا.
تراجع الهجرة الروسية
وكان المهاجرون الناطقون بالروسية يشكلون العمود الفقري للهجرة إلى (إسرائيل) منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، حيث استقر أكثر من مليون شخص من هذه الخلفية منذ التسعينيات.
ومع الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022 ارتفع العدد إلى أكثر من 74 ألف مهاجر، لكن الاتجاه سرعان ما انقلب؛ إذ تراجع عدد الوافدين إلى 22 ألفًا في 2024، ويواصل التراجع في 2025.
ويرى الخبير الديموغرافي سيرجيو ديلا-برغولا أن هذا التراجع يعكس تحولًا تاريخيًا مقلقًا، إذ لم تشهد (إسرائيل) ميزان هجرة سلبيًا بهذا الحجم منذ خمسينيات القرن الماضي.
دوافع جديدة للهجرة العكسية
تشير الدراسات إلى أن دوافع المهاجرين الحاليين تختلف جذريًا عن الماضي. فبينما كان دافع الهجرة قديمًا مرتبطًا بالصهيونية أو بالخوف من معاداة السامية، فإن الدوافع الراهنة تتمثل في الهروب من الحروب والأزمات الاقتصادية.
أما الإسرائيليون المغادرون، فقد ربط كثير منهم قرارهم بالانقلاب القضائي المثير للجدل داخل الكيان، وبالحرب المتواصلة على غزة، ما يعكس انتقالًا نوعيًا في الدوافع من البحث عن فرص اقتصادية إلى الهروب من عدم الاستقرار السياسي والأمني.
أرقام مقلقة في ميزان الهجرة
خلال عام 2024 غادر الكيان ما لا يقل عن 82,700 إسرائيلي، أي أكثر بنحو 50 ألفًا من عدد المهاجرين الجدد.
وتشير تقديرات الخبراء إلى استمرار هذا العجز في 2025، رغم عدم صدور الأرقام النهائية بعد.
اللافت أن نصف المغادرين تقريبًا من أصول روسية، ما يعكس أزمة اندماج وفشلًا في استقرار المهاجرين الجدد داخل المجتمع الإسرائيلي.
محاولات حكومية يائسة
أمام هذا النزيف، أعلنت وزارة الهجرة والوكالة اليهودية عن خطة قيمتها 170 مليون شيكل (نحو 51 مليون دولار) لتحسين سياسات الاستيعاب، وتسهيل تراخيص العمل، وتقديم إعفاءات ضريبية لاستقطاب كفاءات جديدة.
لكن وزير الهجرة والاستيعاب أوفير سوفير اعترف بأن موجات الهجرة الكبرى ترتبط بعوامل خارجية مثل الأزمات الدولية ومعاداة السامية، وهي عوامل لا تستطيع الحكومة السيطرة عليها بشكل كامل.