من المحرقة إلى غزة.. "إسرائيل" تُمعن في  الإبادة والعالم يتواطأ بالصمت

متابعة الرسالة نت 

نشرت الهيئة العامة للتلفزيون والراديو الإسباني (RTVE) تقريرًا مطولًا بعنوان "من المحرقة إلى مذبحة غزة: هل فشلت المنظمات الدولية؟"، أثار جدلًا واسعًا بسبب المقارنات التاريخية والاتهامات المباشرة لـ(إسرائيل) بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في غزة. 
التقرير لا يكتفي بتوصيف الواقع، بل يعيد فتح جراح الذاكرة الإنسانية، ويضع الأمم المتحدة والمنظومة الدولية أمام محكمة التاريخ.

وذكّر التقرير بأن مصطلح "الإبادة الجماعية" لم يظهر إلا عام 1944 على يد الفقيه اليهودي رافائيل ليمكين، لتوثيق فظائع النازية. وعلى أساس تلك الجرائم، نشأت الأمم المتحدة تحت شعار "لن يتكرر ذلك أبدًا".
لكن بعد ثمانية عقود، ها هي الدولة التي وُلدت جزئيًا من رماد تلك المأساة تُتهم بارتكاب ذات الجريمة: إبادة جماعية بحق 65 ألف فلسطيني في غزة، بينهم من قضوا قصفًا وجوعًا. والأخطر أن محكمة العدل الدولية تحقق رسميًا مع قادة (إسرائيل)، وعلى رأسهم مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.

الأمم المتحدة أمام امتحان الفشل

التقرير أشار إلى أن غزة باتت "المرآة العاكسة لإخفاقات الأمم المتحدة". فمنذ عام 1947، حين أُحيلت قضية فلسطين لأول مرة إلى الجمعية العامة، ظل الملف الفلسطيني الأكثر حضورًا في أروقة المنظمة الدولية. 
ومع ذلك، لم تفلح الأمم المتحدة في تطبيق ميثاقها أو حماية الشعب الفلسطيني، بل ساهم قرار تقسيم فلسطين في إرساء جذور الظلم.
الأستاذة مونتسيرات آباد كاستيلوس وصفت الأمر بأنه "عبث تاريخي" حين تحوّل ضحايا المحرقة إلى جلادين يمارسون التطهير العرقي. أما الدكتور خورخي راموس تولوسا فذهب أبعد حين قال: "لقد فشلت الأمم المتحدة منذ لحظة ولادة إسرائيل".

مشروع استعماري أوروبي في آسيا

التقرير أعاد التذكير بأن جذور الصهيونية ليست دينية بل استعمارية، ولدت في أوروبا القرن التاسع عشر وسعت إلى إنشاء "مستعمرة أوروبية في آسيا"، واستُخدمت اليهودية لإضفاء الشرعية، لكن الهدف كان واضحًا: اقتلاع الفلسطينيين لصناعة "أوروبا مصغّرة" في الشرق الأوسط.
المحامية نادية سيلحي شاهين أكدت أن (إسرائيل) انتهكت منذ يومها الأول كل ما نص عليه القانون الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحوّلت إلى كيان فصل عنصري متكامل الأركان.

ورقة "معاداة السامية".. درع الاحتلال

أحد أبرز محاور التقرير هو فضح استخدام (إسرائيل) المتكرر لورقة "معاداة السامية" كأداة سياسية. 
من المحكمة الجنائية الدولية إلى قادة أوروبا وأمريكا اللاتينية، كل من يجرؤ على انتقاد جرائم غزة يُصنّف معاديًا للسامية، لكن أصواتًا يهودية حرّة، مثل حركة "الصوت اليهودي من أجل السلام"، خرجت لتقول: "ليس باسمنا".

مجلس الأمن.. رهينة الفيتو الأمريكي

ويلفت التقرير إلى أن البنية المشوهة للأمم المتحدة، خصوصًا حق النقض (الفيتو)، جعلت من المجلس أداة لحماية المعتدي. 
فمنذ أكتوبر 2023، استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ست مرات لمنع قرارات تدعو إلى وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين في غزة. هكذا، باتت الشرعية الدولية رهينة الإرادة السياسية لدول كبرى، في حين يظل الدم الفلسطيني مستباحًا.

العالم يتأرجح بين العجز والتواطؤ

المحللون الذين استشهد بهم التقرير شددوا على أن الدول الأخرى تتحمل التزامات قانونية بوقف تسليح (إسرائيل) وعدم الاعتراف بجرائمها. ورغم بعض المواقف المتأخرة من باريس ولندن وأوتاوا، فإنها لم تواكب حجم الكارثة.
المؤرخ راموس تولوسا شبّه وضع (إسرائيل) بمرحلة انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا: عزلة دولية، ضغط شعبي، وانفصام بين الحكومات والرأي العام. وبرأيه، خسرت (إسرائيل) "معركة السرد" عالميًا، وباتت عبئًا على نفسها وحلفائها.


التقرير الإسباني ينتهي بخلاصة صادمة، (إسرائيل) في مرحلة "الغضب الأخير" لأنظمة استعمارية وديكتاتوريات تحتضر. هي تدّعي أنها توفر الأمن، لكن العالم لا يرى سوى كيان غارق في الدم والاضطراب والكراهية.
ومع استمرار المجزرة في غزة، يظل السؤال قائمًا: هل ستنهض المنظومة الدولية من ركام عجزها، أم أن التاريخ سيكتب مرة أخرى أن مقولة "لن يتكرر ذلك أبدًا" كانت مجرد كذبة؟