لم تكن اليد الأمريكية المرفوعة في قاعة مجلس الأمن مجرّد إشارةٍ عابرة، بل كانت إعلانًا صريحًا بأن واشنطن اختارت أن تقف على الجانب الخطأ من التاريخ.
الفيتو السادس خلال عامين ضد وقف الحرب على غزة لم يكن سوى خيط جديد في شبكة الدعم العسكري والسياسي الذي تُحكم به الولايات المتحدة الطوق على أعناق الفلسطينيين، وتمنح الاحتلال الإسرائيلي المزيد من الذخيرة والشرعية لارتكاب جرائمه.
اليد الأميركية التي ارتفعت لتسقط مشروع القرار لم تسقطه وحسب، بل منحت الغارات فسحة زمنية جديدة، وأمدّت المجاعة بجرعة موت إضافية، وأبقت النزوح قسريًا قدرًا لا مفر منه.
بينما تتكدّس جثامين الأطفال في برادات المستشفيات المعطلة بالكهرباء، كانت واشنطن تحصي شحنات السلاح التي سترسلها إلى إسرائيل لتضمن استمرار آلة الحرب.
الأرقام لا تكذب
منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ضخت الولايات المتحدة ما يفوق 20 مليار دولار من المساعدات العسكرية الطارئة لـ"إسرائيل"، إلى جانب 3.8 مليار دولار سنويًا كمنحة ثابتة بموجب مذكرة التفاهم لعام 2016.
أرسلت واشنطن أكثر من 14 ألف طن من الذخائر، بينها قنابل خارقة للتحصينات (GBU-39 وGBU-72) وقذائف مدفعية عيار 155 ملم، وهي نفس الذخائر التي وثّقتها منظمات حقوقية على أنها استُخدمت في قصف المستشفيات والمدارس في غزة.
سياسيًا، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض 6 مرات منذ 2023 لإفشال قرارات أممية تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار أو حماية المدنيين. وفي كل مرة، كانت واشنطن تقف في مواجهة 14 صوتًا آخر داخل المجلس، لتفرض إرادتها على العالم.
دبلوماسيًا، ضغَطت الإدارة الأميركية على دول أوروبية لعرقلة مسار "المحكمة الجنائية الدولية" حين أعلنت نيتها التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة في غزة.
ازدواجية صارخة
في الوقت الذي ترفع فيه واشنطن شعار "النظام الدولي القائم على القواعد"، فإنها تعطل هذه القواعد ذاتها كلما تعلق الأمر بـ"إسرائيل". فهي تعترف بحق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها وتدين روسيا في مجلس الأمن، لكنها ترفض الاعتراف بالحق ذاته لشعب محاصر تحت القصف منذ عامين.
الفيتو الأميركي لم يعد مجرد أداة سياسية، بل صار سلاحًا يُكمّل ترسانة الاحتلال. وإذا كان العالم اليوم يقف شاهداً على مشهد الدم الفلسطيني الذي يُراق بغطاء رسمي أميركي، فإن التاريخ سيسجل أن الولايات المتحدة لم تكن وسيطًا للسلام، بل شريكًا كاملًا في الحرب.