في مشهد يعكس تحولات سياسية غير مسبوقة في الموقف الدولي من القضية الفلسطينية، أعلنت بريطانيا — ولأول مرة منذ إصدار وعد بلفور وما تلاه من دعم تأسيسي لقيام "إسرائيل" — اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، لتنضم إلى كندا وأستراليا وعدة دول أوروبية.
هذه الخطوة جاءت بعد 77 عامًا من "الخطيئة الكبرى"، كما وصفها الصحفي شادي شامية، في إشارة إلى الدور البريطاني التاريخي في شرعنة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
الدكتور إسماعيل الثوابتة يرى أن هذه الاعترافات، وإن جاءت متأخرة، إلا أنها ثمرة لمسيرة طويلة من "الصمود الأسطوري والتضحيات الجسيمة" التي قدّمها الشعب الفلسطيني بدمائه ومعاناته وإصراره الثابت على نيل حقوقه.
ويضيف أن هذه الاعترافات تمثل "صفعة سياسية" للمشروع الصهيوني، وتأكيدًا على أن الحق الفلسطيني لا يسقط بالتقادم.
بين الواقع السياسي والاستيطان المتمدّد
أما الناشط أبو البراء الشريف فينظر إلى الاعتراف من زاوية نقدية، معتبرًا أن إعلانه اليوم "بينما يبتلع الاستيطان أرض الدولة في الضفة ويقتل الإنسان ويهجّر"، لا يغيّر من الواقع شيئًا، بل يشبه "البيانات المتكررة التي تدين حرب الإبادة المستمرة على غزة".
ويخلص إلى أن القرارات الدولية غالبًا ما تكون عاجزة عن مواجهة الوقائع على الأرض التي يصنعها الاحتلال بالقوة.
نفاق سياسي أم تحوّل استراتيجي؟
الكاتب محمد عبد الحي يصف الاعتراف الأوروبي والكندي والأسترالي بـ"النفاق المقيت"، إذ يرى أنه يشبه اعتراف المؤرخين بوجود إمبراطوريات قديمة، بينما تستمر الحكومات الغربية نفسها في "تسليح إسرائيل وتزويدها بالمعلومات لقتل المقاومين في فلسطين ولبنان واليمن".
ويضيف أن هذه الازدواجية تكشف أن "الإنسان الأوروبي يحتاج ألف سنة أخرى ليشعر بإنسانيتنا وحقنا في الكرامة والحرية".
فلسطين الأصل.. لا تحتاج اعترافًا
الناشط مصطفى دياب قدّم قراءة مختلفة، مؤكدًا أن "فلسطين ليست بحاجة إلى اعتراف"، فهي الأصل، الأرض والهوية والتاريخ، بينما "إسرائيل" مجرد كيان استعماري زُرع بالقوة. ويرى أن الاعتراف الدولي اليوم هو "بداية لتصحيح جريمة تاريخية، وكشف لكذبة إسرائيل"، لكنه يظل بداية فقط، ما لم يتبع بخطوات ملموسة.
الاعتراف بعد حرب الإبادة
الكاتب الفلسطيني إبراهيم الهجري قدّم تحليلاً أوسع لظاهرة الاعترافات الدولية بعد 7 أكتوبر 2023، موضحًا أن الكارثة الإنسانية في غزة سرّعت من هذا التحول.
وبالمعنى السياسي، بين أن الاعتراف هو تثبيت رمزي وقانوني للحق الفلسطيني في السيادة والعلاقات الدولية.
وأرجع الأسباب إلى الضغط الشعبي الأوروبي، والخوف من انهيار "حل الدولتين"، واعتبارات تاريخية وسياسية داخلية في بعض الدول.
لكنه أوضح أن الاعتراف لا يوقف الاحتلال ولا الاستيطان، ولا ينهي الانقسام الفلسطيني، لكنه يمثل نقطة تحوّل في عزلة "إسرائيل".
الدول المعترفة حديثًا، من أبرزها إيرلندا، إسبانيا، النرويج (مايو 2024)، والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا (سبتمبر 2025)، ليرتفع العدد إلى أكثر من 150 دولة.
الاعترافات الدولية الأخيرة بدولة فلسطين تعكس تحولًا متدرجًا في وعي العالم تجاه الحق الفلسطيني، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالًا مُرًا: لماذا انتظر العالم حرب إبادة ومجازر مروعة بحق المدنيين في غزة حتى يتحرك سياسيًا؟
يبقى الواقع على الأرض هو التحدي الأكبر، حيث يتوسع الاستيطان ويستمر القتل، بينما تظل الاعترافات — مهما بلغت قيمتها الرمزية والسياسية — ناقصة ما لم تُترجم إلى ضغط فعلي ينهي الاحتلال ويعيد للفلسطينيين حقهم الكامل في الحرية والسيادة.