في خطوة جديدة تعكس إصرار الاحتلال (الإسرائيلي ) على خنق ما تبقى من الحياة في قطاع غزة، أقدمت قواته على إغلاق شارع الرشيد الساحلي، الشريان الرئيسي الرابط بين مدينة غزة والمناطق الجنوبية. هذا القرار يضع المدينة في مرحلة جديدة من العزلة الكاملة، وسط ظروف إنسانية كارثية، ومحاولات واضحة لفرض معادلات سياسية بالدم والجوع.
لم يكن شارع الرشيد مجرد طريق مواصلات عادي، بل مثّل خلال الأشهر الماضية المتنفس الوحيد لسكان غزة بعد أن دُمّرت معظم طرقها الداخلية بفعل القصف المستمر. كان الشارع خط إمداد للنازحين والجرحى والمساعدات، لكنه اليوم مقطوع بالكامل، ما يعني إحكام الطوق على أكثر من نصف مليون مواطن محاصرين داخل مدينة تحولت إلى أنقاض.
الاحتلال لا يخفي أهدافه؛ فالعزل الجغرافي هو امتداد لسياسة الإبادة الجماعية المستمرة منذ عامين. بقطع الطريق الساحلي، يسعى الاحتلال لفرض معادلة تقوم على تجويع السكان، تجفيف مصادر الإغاثة، ومنع حركة النازحين، باستخدام الملف الإنساني كأداة ضغط لتمرير أجندة سياسية. مصادر مطلعة تشير إلى ربط هذا الإغلاق بـ "مبادرة ترامب" الأخيرة، التي وصفها الفلسطينيون بالمجحفة، لتحويل مأساة السكان إلى ورقة مساومة وإخضاع غزة بالإكراه عبر الجوع والحصار.
يقرأ الكاتب والمحلل السياسي الدكتور محمد مصلح هذه الخطوة باعتبارها رسالة مزدوجة إلى المقاومة: إمّا القبول بالمبادرة الأميركية-الإسرائيلية، أو مواجهة عزلة خانقة تؤدي إلى انهيار الوضع الإنساني بشكل غير مسبوق.
وأشار إلى أن الرسالة الثانية للمجتمع الدولي: محاولة إقناع العالم بأن أي انفراجة في غزة مشروطة بتنازلات فلسطينية، متجاهلاً أن الأزمة الإنسانية من صنع الاحتلال نفسه.
إغلاق شارع الرشيد يفاقم أوضاع عشرات الآلاف من النازحين في مراكز الإيواء بالجنوب، ويجعل الوصول إلى أقاربهم أو العودة إلى بيوتهم المدمرة شبه مستحيل، بينما تتكدس المعاناة عند الحواجز العسكرية التي تمنع مرور الإسعافات والمساعدات.
المشهد اليوم يتكرر كما حدث سابقًا: أطفال بلا غذاء، نساء يبحثن عن ماء، وشيوخ بلا دواء أو مأوى.
وفق الدكتور خليل الدقران، الناطق الرسمي باسم مستشفى شهداء الأقصى، تشهد غزة انهيارًا كاملاً لمنظومتها الصحية، والمستشفيات القليلة العاملة عاجزة عن استقبال المزيد من الجرحى، والطرق البديلة داخل الأحياء مدمّرة بفعل القصف، ما يجعل الوصول إليها شبه مستحيل.
ولفت إلى أن غلاق شارع الرشيد يجعل حياة آلاف المرضى والمصابين معلقة على قرار الاحتلال العسكري.
في حين يحاول الاحتلال تسويق خطوته باعتبارها "إجراءً أمنياً"، الواقع يكشف أن الهدف الحقيقي هو إدامة الكارثة، وتعميق معاناة الناس، وابتزاز المقاومة عبر الضغط على الحاضنة الشعبية.
المعادلة واضحة: لا طعام ولا دواء ولا عودة للنازحين إلا إذا قبلت المقاومة بالشروط الأميركية-الإسرائيلية ومبادرة ترامب .
التاريخ يثبت أن مثل هذه الضغوط لن تغيّر موقف المقاومة، التي تعرف أن التنازل تحت وقع الجوع والحصار لن يجلب سوى مزيد من الإملاءات. في المقابل، يخاطر الاحتلال بمزيد من العزلة الدولية، وسط انتقادات من منظمات حقوقية وحكومات ترى في سياساته انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، ومحاولة ممنهجة لإخضاع المدنيين عبر سياسة العقاب الجماعي.
ما يحدث اليوم في غزة ليس مجرد حصار جديد، بل فصل آخر من فصول الإبادة الجماعية، يُستخدم فيه الغذاء كأداة حرب، والطرقات كورقة ضغط لعزل مدينة عن أخرى. وبينما يحاول الاحتلال استثمار "مبادرة ترامب" كورقة سياسية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للعالم أن يصمت أكثر على مشهد استفراد بمدينة كاملة وتجويع سكانها على الهواء مباشرة؟