غزة في عتمة الجوع.. صرخة حياة وسط صمت العالم

غزة في عتمة الجوع.. صرخة حياة وسط صمت العالم
غزة في عتمة الجوع.. صرخة حياة وسط صمت العالم

الرسالة نت- خاص

ينهي قطاع غزة عامين تحت حرب مدمرة في وقت لم تتوقف المأساة عند القصف والتدمير فحسب، بل تحولت إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، مع تفشي المجاعة وغياب الغذاء والدواء.

وأعلنت وزارة الصحة في غزة، عن ارتفاع حصيلة وفيات سوء التغذية الناجمة عن سياسة التجويع (الإسرائيلية) إلى 453 فلسطينيا، بينهم 150 طفلا منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

هذا الرقم الصادم لا يعكس سوى جزء من صورة الانهيار الإنساني الذي يعيشه أكثر من مليوني فلسطيني في القطاع، حيث يواجهون نقصا حادا في الطعام، وانعدام الأمن الغذائي، وانتشار أمراض سوء التغذية بين الأطفال والمرضى وكبار السن.

ويؤكد مختصون أن الوضع الحالي يمثل إحدى أبشع صور العقاب الجماعي التي شهدها العالم في العصر الحديث.

في حين، أعلنت منظمة "المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" (IPC) في تقريرها الصادر في أغسطس/ آب الماضي حدوث المجاعة فعليا في مدينة غزة شمال القطاع، مع توقعات بامتدادها إلى دير البلح وخان يونس، ما يعني أن كامل القطاع أصبح مهدداً بانهيار غذائي شامل.

ضحية سوء التغذية

وفي بيت متواضع وسط مدينة غزة، تجلس هند عبد الله إلى جانب طفلتها البالغة من العمر عامين ونصف، وهي تعاني من هزال شديد وسوء تغذية يهدد حياتها.
وتقول الأم والدموع في عينيها: "لم أعد أستطيع تأمين الحليب ولا حتى الطعام البسيط، طفلتي تذبل أمامي كل يوم، وأنا عاجزة عن فعل شيء".

هند توضح أن طفلتها كانت تنمو بشكل طبيعي قبل الحرب، لكنها منذ شهور بدأت تفقد وزنها بسرعة، حتى صار جسدها أقرب إلى جلد على عظم.

وتضيف: "المستشفيات مكتظة ولا يتوفر فيها العلاج الكافي، والأدوية التي تحتاجها غير موجودة، وحتى إن وجدت فإن أسعارها تفوق قدرتنا تماما".

وبالنسبة لها، فإن بقاء الطفلة على قيد الحياة أصبح معجزة يومية، إذ تعتمد على ما يتوفر من بعض الوجبات البسيطة مثل الأرز أو العدس، لكنها لا تلبي احتياجات جسدها الصغير.

وتقول هند بمرارة: "نحن نعيش مجاعة حقيقية، وأخشى أن أفقد ابنتي في أي لحظة"، وهي شهادة تختصر حجم الكارثة التي تضرب آلاف الأسر.

وعلى الطرف الآخر من مدينة غزة، يعيش محمود شبير، شاب في العشرينيات، مأساة مختلفة مع حساسية القمح التي تجبره على تناول غذاء خاص يعتمد على أنواع محددة من الخضروات والمنتجات الخالية من الجلوتين.

لكن هذه المواد أصبحت شبه معدومة في الأسواق، وإن وجدت فهي تباع بأسعار باهظة لا يستطيع تحملها.

ويقول محمود: "طوال سنوات كنت أتعامل مع حالتي بجهد وحرص، أختار طعامي بعناية وأتجنب ما يسبب لي حساسية. لكن منذ بدء الحصار وإغلاق المعابر لم يعد أمامي سوى خيارين: إما أن أجوع أو أتناول طعاما يضرني وقد يسبب لي مضاعفات صحية خطيرة".

ويؤكد أن الأطباء حذروا من أن تناوله القمح أو المخبوزات العادية قد يسبب له أزمات صحية خطيرة، لكنه في ظل غياب البدائل لم يجد سوى المخاطرة بحياته.

ويضيف محمود بحسرة: "أدرك أن جسدي لن يصمد طويلا، فأنا لا أملك المال ولا القدرة على تأمين الغذاء المناسب، نحن محاصرون حتى في حقنا في الغذاء الملائم لحالتنا الصحية".

تجويع متعمد

ومنذ الثاني من مارس/ آذار الماضي، أغلقت (إسرائيل) جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة بشكل كامل، مانعة دخول أي مساعدات إنسانية أو إغاثية، رغم تكدس مئات الشاحنات على الحدود.

ومنذ بضعة أسابيع فقط، تسمح سلطات الاحتلال بدخول كميات محدودة جدا من المساعدات، لكن هذه الكميات لا تغطي الحد الأدنى من احتياجات السكان.

وتؤكد جهات إنسانية أن معظم الشاحنات التي تحاول دخول القطاع تتعرض للسطو من عصابات محلية "تحظى بحماية من الاحتلال"، وهو ما يمنع وصول المساعدات إلى المستحقين.

هذا الحصار جعل غزة في مواجهة مجاعة واسعة النطاق، خاصة مع غياب الأمن الغذائي بشكل كامل في المناطق الشمالية.

ويرى خبراء حقوق الإنسان أن سياسة التجويع هذه ليست نتيجة جانبية للحرب، بل جزء من استراتيجية "الإبادة الجماعية" التي ترتكبها إسرائيل ضد سكان القطاع بدعم أمريكي مباشر، حيث بلغ عدد ضحايا الحرب حتى الآن أكثر من 66 ألف شهيد وآلاف الجرحى معظمهم من النساء والأطفال.

أرقام صادمة

بدورها، ذكرت وزارة الصحة في غزة في بيان لها أن حصيلة الوفيات نتيجة سوء التغذية والمجاعة بلغت 453 شهيدا منذ بداية الحرب، بينهم 150 طفلا.

وقالت: "منذ إعلان منظمة "آي بي سي" المجاعة في غزة خلال أغسطس الماضي، تم تسجيل 175 حالة وفاة جديدة بينهم 35 طفلا، وهو مؤشر على تسارع الأزمة".

وشددت الوزارة على أن استمرار منع إدخال الغذاء والدواء يهدد حياة آلاف الأطفال الذين يواجهون اليوم سوء تغذية حادا، ما قد يتسبب في وفيات جماعية إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل.

ومع استمرار الحصار والإبادة الجماعية يعيش سكان غزة على حافة الفناء، حيث لا طعام ولا دواء ولا أمل في انفراجة قريبة.