“عامان على الطوفان: كيف أعادت غزة فلسطين إلى قلب العالم؟

متابعة_ الرسالة نت

بعد مرور عامين على معركة “طوفان الأقصى”، تتجدد الأسئلة حول دلالاتها التاريخية والسياسية والروحية، وحول ما إذا كانت هذه المواجهة غير المتكافئة قد انتهت إلى خسارة مادية أم إلى نصرٍ استراتيجي غيّر وجه الصراع في فلسطين والمنطقة.

الدكتور حسين عبدالعال، في مقاله المنشور بمجلة المجتمع الكويتية (28 سبتمبر 2025)، يقدم قراءة فكرية وسياسية شاملة تعتبر أن ما جرى في السابع من أكتوبر 2023 لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل “منعطف إيماني وتاريخي أعاد للأمة الثقة بقدرتها على المقاومة والصمود”.

 

غزة الصغيرة في مواجهة العالم الكبير

يبدأ الكاتب مقاله بسؤال استنكاري عميق: “من كان يتصور أن فصيلًا صغيرًا محاصرًا في بقعة ضيقة من الأرض، يصمد لأشهر في وجه تحالفٍ غربيٍّ كاملٍ، تدعمه أميركا وأوروبا وجيوش المنافقين من العرب؟!”

ويشير إلى أن معظم المراقبين ظنوا أن المقاومة لن تصمد أكثر من أسابيع معدودة أمام آلة الحرب الجبارة، لكن ما غاب عنهم – كما يقول – أن “سنن الله في الكون لا تُقاس بالأرقام ولا بموازين القوة المادية، بل بثبات الفئة المؤمنة وصبرها”، مستشهدًا بقوله تعالى:

(كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ).

 

خسائر جسيمة... ولكن العدو تألم أكثر

ويقرّ الكاتب بواقعية أن غزة تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، لكنه يرفض أن تُختزل المعركة في مشاهد الدمار فقط، موضحًا أن “ألم المقاومة لم يكن إلا أذىً في سبيل الله، بينما ألم العدو كان إذلالًا وهزيمةً نفسيةً ومعنويةً عميقةً”.

ويستشهد بقوله تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ)، ليؤكد أن ما خسره الفلسطينيون يقابله – بل يفوقه – ما خسره الاحتلال على المستويين العسكري والاجتماعي.

 

ثمانية مكاسب كبرى لطوفان الأقصى

يفصّل الدكتور عبدالعال ثمانية مكاسب استراتيجية للمقاومة الفلسطينية من معركة الطوفان، يرى أنها غيّرت موازين القوى وأعادت الاعتبار للقضية الفلسطينية:

1. عودة فلسطين إلى واجهة العالم:

القضية التي كانت في طريقها إلى النسيان، استعادت حضورها العالمي بقوة، حتى باتت 147 دولة تطالب اليوم بالاعتراف بدولة فلسطينية.

ويشير الكاتب إلى أن هذا التحول، وإن كان جزئيًا أو مشروطًا، إلا أنه يمثل “إحياءً سياسيًا للقضية بعد سنوات من الإهمال”.

2. سقوط مشروع التطبيع:

يعتبر الكاتب أن طوفان الأقصى “نسف التطبيع من جذوره”، إذ باتت الجماهير العربية تعتبر كل مَن يدعم الكيان خائنًا، وأصبحت الأنظمة الموالية لتل أبيب مفضوحة أمام شعوبها.

3. انكشاف أكذوبة “الجيش الذي لا يُقهر”:

يكتب عبدالعال بوضوح أن إسرائيل “تحوّلت من دولة تفرض الخوف إلى كيانٍ يعيش الرعب”، مشيرًا إلى أن جنودها يُقتلون ويُؤسرون رغم تفوقهم التكنولوجي.

ويضيف: “عامان مضيا ولم تستطع إسرائيل تحرير أسير واحد إلا بصفقة تبادل، وهذا أعظم إذلال لها”.

4. الهجرة المعاكسة وهروب المستوطنين:

يصف الكاتب ظاهرة هروب آلاف الإسرائيليين بأنها “أول هزيمة ديموغرافية في تاريخ الكيان”، مؤكّدًا أن كثيرين غادروا فلسطين بلا نية للعودة.

5. ملاحقة قادة الاحتلال دوليًا:

ويشير إلى أن قرار المحكمة الجنائية الدولية بإصدار مذكرة توقيف بحق رئيس وزراء الاحتلال وعدد من قادته “يُعدّ سابقةً تاريخيةً ونصرًا قانونيًا للعدالة الفلسطينية”.

6. تحول الرأي العام الغربي:

يلفت إلى أن الملايين في الغرب خرجوا في مظاهرات دعم لغزة، وأن الإعلام العالمي بدأ يتحدث بلغةٍ أكثر توازنًا، بعدما تهاوت الرواية الإسرائيلية أمام مشاهد المجازر.

7. انكشاف الوجه الأمريكي الحقيقي:

يؤكد عبدالعال أن واشنطن سقطت أخلاقيًا حين دعمت الاحتلال بلا شروط، فظهر للعالم أن شعاراتها عن “حقوق الإنسان” مجرد أدوات هيمنة.

ويكتب: “القاصي والداني اليوم يدرك أن الصهاينة هم الذراع الأمريكية في المنطقة، وأن أمريكا لا تسمح بهزيمتهم”.

8. بعث الوعي في الأمة الإسلامية:

يختم هذه الفقرة بالتأكيد على أن طوفان الأقصى أعاد القضايا الكبرى إلى وجدان الشعوب العربية، وولّد جيلًا جديدًا يرفض التبعية ويبحث عن الحرية والكرامة.

 

جيل النصر القادم

وينتقل الكاتب إلى رؤية مستقبلية متفائلة، إذ يرى أن الجيل الذي عاش المأساة سيحمل راية النصر يومًا ما. “هؤلاء الأطفال الذين شاهدوا آباءهم يُقتلون وأمهاتهم يُعذبن سيكبرون على وعي المقاومة، كما كبر جيل مكة على الجوع والحصار ثم عاد فاتحًا.”

ويشبّه كاتب المقال بين جيل غزة اليوم وجيل الصحابة الذين عانوا الحصار في شعب أبي طالب ثم انتصروا، مؤكّدًا أن “الظلم لا يُورِث الاستسلام، بل يصنع أجيالًا من الأحرار”.

 

الإيمان بالنصر

ويختم الدكتور عبدالعال مقاله بتأكيد حتمي على أن وعد الله بالنصر لا يتخلف، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)،

ويقول إن “ما يجري اليوم في غزة ليس مأساة، بل بداية مخاضٍ جديد لأمةٍ تنهض بعد قرون من التبعية والانكسار”.

وبعد عامين على “طوفان الأقصى”، يتضح – كما يخلص الكاتب – أن "إسرائيل" لم تنتصر رغم قوتها، وغزة لم تُهزم رغم دمارها.

فالمعركة لم تكن فقط بين جيشين، بل بين إرادةٍ مؤمنةٍ وأسطورةٍ مزيفة، بين أمةٍ تبحث عن حريتها وكيانٍ يعيش على الكذب والخوف.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير