بعد انسحاب جيش الاحتلال (الإسرائيلي) من حيّ الشيخ رضوان غرب مدينة غزة، ضمن الاتفاق الأخير مع المقاومة الذي دخل حيز التنفيذ اليوم الساعة 12 ظهرًا، لم يبقَ في الحيّ ما يشبه الحياة.
هنا المشهد في حي الشيخ رضوان أقرب إلى الكارثة الإنسانية؛ منازل مهدّمة، ومدارس تحوّلت إلى أكوام من الركام، وطرقات كانت تعجّ بالأطفال والسيارات، صارت اليوم خنادق من الغبار وأنقاض المنازل والمباني السكنية.
في كل زاوية من حيّ الشيخ رضوان قصة وجع؛ أب يبحث عن بقايا منزله، وشاب يحدّق في شقته السكنية، وشيوخ يجلسون على أطلال بيوتهم التي كانت ملاذهم الآمن ذات يوم، قبل أن يدمرها الاحتلال ضمن سياسة الإبادة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
فالمشهد هنا لا يختصر دمار الحجر فقط، بل يُجسّد تدمير حياةٍ بأكملها، حيث لم ينجُ شيء من بطش القصف؛ لا المدارس، ولا الشوارع، ولا حتى ملامح الحيّ القديم، ناهيك عن تدمير البنية التحتية.
هذا الركام يروي، بصمته الثقيل، فظاعة ما ارتكبه جيش الاحتلال من تدميرٍ شاملٍ واستهدافٍ مباشرٍ للمنازل السكنية والمدنيين، في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القطاع منذ بدء العدوان.
تحت الأنقاض حكايات لم تُروَ بعد!
يحدثنا الشاب قصي العروقي من قلب حيّ الشيخ رضوان عن حجم الكارثة التي خلّفها العدوان الأخير، ويصف ما جرى بأنه جزء من حرب ممنهجة تشنها (إسرائيل) على الفلسطينيين منذ السابع من أكتوبر 2023.
ويقول العروقي الذي يبلغ من العمر (32 عامًا) لـ"الرسالة"، بصوتٍ يفيص حزنا وغصة: "لو بقيت شقتي السكنية، لكنت أعدت ترميمها من جديد، من أجل طفلتّي وزوجتي، لأعيد بناء حياتنا التي كان يسكنها الأمل.. لكن اليوم كل شيء انتهى".
ويتحدث الشاب العروقي عن سنوات عمره التي أفناها في العمل المتواصل، ليجمع ثمن الشقة ويعفشها، مضيفًا: "لقد تعبت لأجل هذا المنزل… لقد كان حلمي أن يكون ملاذي وعائلتي".
ويتابع: "في بداية العدوان تعرّضت شقتي لقصف مباشر، لكنني لم أستسلم، حاولت مثل كثيرين من الفلسطينيين استصلاح منزلي للسكن، أعدت ترميم جزء منه، وملأته بالأمل، لكن بعد التدمير الشامل، لم يبقَ لي شيء".
وينظر الشاب قصي إلى الركام بعينين ملؤهما الألم، ويضيف باكياً: "لم يبقَ لنا مكان… لا شقة، لا بيت، لا مأوى، حتى بيت عائلتي في منزل والدتي صار تحت الأنقاض، نحن الآن بلا مأوى".
الدمار يروي حكاية الصمود والألم!
ويتحدث الحاج أبو علي ماضي عن حجم الدمار الذي حلّ بحي الشيخ رضوان قائلاً: "الحيّ أصبح مشهدًا من الخراب، كل زاوية فيه تحكي قصة ألم وفقدان، ولم يعد هناك شارع أو بيت إلا وقد طاله الدمار".
ويضيف الحاج أبو علي الذي يبلغ من العمر (62 عامًا) في حديث لـ"الرسالة": "الاحتلال لا يكتفي بالقصف، بل يعتمد على تدمير كل شيء؛ المنازل، والمدارس، والطرقات، حتى حياة الناس ومستقبلهم".
ويصف الحاج، الذي ارتقى ابنه وزوجته وأحفاده خلال حرب الإبادة، ما حلّ بمنزله المكوّن من خمسة طوابق قائلاً: "بيتنا صار أنقاضًا بعد أن استخدم الاحتلال العربات المتفجرة لتدميره بالكامل، كان هذا المنزل ملاذنا وذكريات عمرنا فيه، والآن صار مجرد غبار ورماد".
ورغم الألم والخسارة، يؤكد أبو علي أن الاحتلال فشل في تهجيرهم قائلًا: "لن يهزمنا الدمار، لن يسلبنا أرضنا، وسنعيد البناء وسنسكن من جديد… الاحتلال غاشم لكن إرادتنا أقوى من أن تُمحى".
بحث تحت الركام!
ويتحدث المواطن أحمد البزم وهو يقف بالقرب من منزله الذي تعرض لأضرار بالغة جراء القصف على حي الشيخ رضوان، والذي حوله جيش الاحتلال إلى منطقة عسكرية مغلقة قبل انسحابه.
ويقول الشاب البزم في حديث لـ"الرسالة"، "ذهبت إلى الحيّ للبحث عن شقيقي الذي فقدناه في ظل القصف العنيف على حي الشيخ رضوان، ففي كل زاوية من شارعنا أصبحت رمادًا، وركام المنازل يغطي الحقيقة، لكني أبحث بين الأنقاض عن أي أثر يدلّني عليها".
ويكمل حديثه وصوته يختنق بالبكاء، ودموعه تختلط بالغبار: "شقيقي متزوج ولديه ستة أولاد، وهو المعيل لهم، واليوم أصبح مصيره للمجهول، ولا أعرف إذا كان على قيد الحياة أم رحل تحت الركام."
ويضيف أحمد بصوت مملوء بالحسرة: "كل ما تبقى لي الآن هو الأمل، حتى وإن كان ضعيفًا… أبحث عنه، وأحلم بلحظة أجده فيها سالمًا". ويتابع: "تواصلت مع جميع الجهات المعنية والدولية للبحث عنه بين قوائم المعتقلين في سجون الاحتلال، ولكن حتى هذه اللحظة لم نحصل على أي تفاصيل".
إرادة تتحدى الدمار!
أما الشاب محمود صيام فيقول: "رغم حجم الدمار الذي حلّ بحي الشيخ رضوان، نحن لن نستسلم، أنا وكل مواطن هنا مصممون على إعادة بناء وترميم الحي، لن تكسرنا إرادة الاحتلال وبطشه وتغوله".
ويضيف الشاب صيام الذي يبلغ من العمر (24 عامًا) في حديثٍ لـ"الرسالة": "سنرمم منازلنا ونعيد إليها الحياة، سنعيد الحيوية إلى الشوارع التي كانت تضج بالحركة، فحي الشيخ رضوان كان يمتلك سوقًا نابضًا بالحياة، وكان الشارع الأول فيه ملتقى للناس".
ويؤكد الشاب صيام الذي فقد ثلاثة من أشقائه وعددًا آخر من أفراد عائلته والنازحين لديهم: "سنرمم المدارس ونبنيها من جديد، لن نقبل أن يكون الدمار نهاية قصتنا، بل بداية جديدة لمقاومة الحياة والصمود".