عودة الحياة الميدانية في غزة بانتشار الأجهزة الحكومية والشرطية

الرسالة نت - خاص

في مشهد وطني وإنساني مهيب يعكس صمود غزة بعد عامين من العدوان الإسرائيلي المدمر، بدأت الأجهزة الحكومية والأمنية في قطاع غزة تنفيذ خطة شاملة لاستعادة كامل مسؤولياتها الميدانية والإدارية، بالتزامن مع بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار الشامل، وسط حالة من الارتياح والأمل بين المواطنين الذين رأوا في هذا الانتشار الرسمي خطوة نحو استعادة الأمن والاستقرار وعودة الحياة تدريجيا إلى طبيعتها.
فمنذ اللحظات الأولى لوقف إطلاق النار، تحركت الطواقم الحكومية والبلدية والخدمية في مختلف محافظات القطاع لتنفيذ آلاف المهام العاجلة في إطار خطة الطوارئ التي أقرّتها الجهات المختصة.
وأعلنت الجهات الحكومية عن تنفيذ أكثر من 5000 مهمة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، شملت عمليات إنقاذ وإغاثة وإزالة أنقاض وتقديم مساعدات إنسانية وإصلاح خطوط المياه والكهرباء، إضافة إلى مئات المهام الصحية والخدمية في المستشفيات والمراكز الميدانية.
مرحلة بالغة الحساسية
ووفقا لبيان المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن هذه الجهود تأتي في مرحلة بالغة الحساسية أعقبت عامين من الإبادة الجماعية الممنهجة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق أكثر من 2.4 مليون مدني فلسطيني، حيث دمّر أكثر من 90% من البنية التحتية المدنية، وتسبب في تهجير ما يزيد على 2 مليون إنسان قسرا، وتدمير 300 ألف وحدة سكنية، في ظل نقص حاد في الوقود والمياه والاتصالات والمواد الأساسية.
ورغم هذا الواقع الصعب، أكدت الحكومة أن كوادرها تواصل العمل ليلا ونهارا بروح المسؤولية الوطنية، وقد أنجزت خلال يوم واحد ما يفوق 1200 مهمة طبية وصحية شملت إجراء عمليات جراحية وإسعاف الجرحى ومتابعة المرضى، إلى جانب أكثر من 850 مهمة إنقاذ وإغاثة نفذتها فرق الدفاع المدني والطواقم الشرطية والبلدية.
إضافة إلى 900 مهمة خدمية في مجالات المياه والصرف الصحي والنظافة العامة، و700 مهمة إنسانية وإغاثية لتوزيع الطرود الغذائية ومواد الإيواء، فضلا عن 650 مهمة مجتمعية في مراكز الإيواء، و700 مهمة إعلامية ولوجستية لتوثيق الجهود الميدانية وتوفير البيانات الدقيقة للجهات المحلية والدولية.
وأشار المكتب الإعلامي إلى أن هذه الجهود تجري في ظروف ميدانية صعبة، حيث استشهد أكثر من 8000 من موظفي الحكومة أثناء أداء واجبهم خلال العدوان، إلا أن المؤسسات ما زالت تعمل بإرادة فولاذية وعزيمة وطنية، لتؤكد أن غزة رغم الدمار باقية بأهلها ومؤسساتها التي لم تتوقف يومًا عن خدمة شعبها.
وفي هذا السياق، دعا المكتب المواطنين إلى التعاون الكامل مع الأجهزة والوزارات الحكومية لضمان استمرار العمل الميداني بسلاسة وأمان، مؤكدا أن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات الانضباط والمسؤولية المجتمعية.
كما طالب المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية بتعزيز الدعم اللوجستي العاجل ورفع الحصار وفتح المعابر فورًا لتسهيل دخول الإمدادات والمساعدات.
تعزيز الأمن
من جهتها، أعلنت المديرية العامة للشرطة الفلسطينية عن بدء انتشار عناصرها في جميع المناطق التي انسحب منها جيش الاحتلال بمحافظات قطاع غزة كافة، للقيام بواجبهم في حماية الأرواح والممتلكات العامة والخاصة وتنظيم حركة المواطنين وتقديم المساعدة لمن تضررت منازلهم أو عادوا إلى مناطقهم بعد النزوح القسري.
وفي بيانٍ رسمي، وجهت الشرطة تحية الصمود إلى أبناء الشعب الفلسطيني، مترحمة على أرواح الشهداء ومتمنية الشفاء للجرحى والحرية للأسرى، مشددة على أن مهمتها الأساسية في هذه المرحلة هي تعزيز الأمن الداخلي وضمان سلامة المواطنين في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
كما حذرت الشرطة المواطنين من الاقتراب من الأجسام المشبوهة أو المخلفات الحربية التي خلفها الاحتلال في المناطق المدمرة، ودعت الجميع إلى الإبلاغ الفوري عن أي أجسام غريبة عبر الجهات المختصة، حفاظا على الأرواح وتجنبا لوقوع إصابات.
وأكدت أن فرق الهندسة المختصة بدأت منذ ساعات الصباح الأولى بعمليات تمشيط واسعة لإزالة بقايا المتفجرات وتأمين الأحياء والمناطق السكنية.
وفي الجانب الخدمي، أكد المتحدث باسم بلدية غزة عاصم النبيه أن البلدية أعدت خطة شاملة من ثلاث مراحل لإعادة إعمار مرافق البلديات في قطاع غزة، جرى مناقشتها مع مؤسسات دولية مختصة.
وأوضح النبيه أن إعادة فتح المدينة عملية معقدة للغاية في ظل الدمار الواسع الذي طال جميع الشوارع تقريبا، حيث دمر أكثر من 85% من إجمالي الآليات والمعدات الثقيلة، ما يعرقل قدرة الطواقم على إزالة الأنقاض وفتح الطرق.
وأضاف النبيه أن الأولويات الحالية تتركز على توفير المياه وفتح الشوارع الرئيسية وجمع النفايات ومعالجة شبكات الصرف الصحي لتفادي انتشار الأوبئة، مشيرا إلى أن البلدية تعمل تحت ضغط هائل وفي ظل انقطاع الإمدادات الحيوية، لكنها تواصل العمل بروح المسؤولية من أجل تخفيف معاناة المواطنين وإعادة الخدمات الأساسية تدريجيا.
وفي الوقت الذي تستعيد فيه غزة ملامح الأمن والنظام، عبّر المواطنون في مختلف المناطق عن ارتياحهم الكبير لعودة الأجهزة الحكومية والشرطية إلى الميدان، معتبرين أن هذا الانتشار يمثل بداية مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء.
وقال المواطن محمد الغولة من حي الشجاعية: "شعور الأمان عاد مع رؤية رجال الشرطة في الشوارع، بعد شهور من القصف والفوضى والدمار".
بينما أشادت المواطنة أم علاء الحلو من النصيرات، بجهود البلديات في إزالة الركام وفتح الطرق، مؤكدة أن وجود الطواقم الحكومية يبعث الأمل بأن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد.
ويؤكد المشهد العام في قطاع غزة اليوم أن عودة المؤسسات الحكومية إلى ممارسة مهامها تمثل خطوة مركزية نحو إعادة ترميم النسيج الاجتماعي والخدماتي الذي تهشم بفعل الحرب، وأن روح الصمود المتجذرة في أبناء القطاع هي التي تبقي عجلة الحياة تدور رغم كل الظروف.
ومع بدء تنفيذ وقف إطلاق النار وعودة الهدوء النسبي، تبرز الحاجة إلى دعم دولي حقيقي يساند جهود الحكومة والمجتمع المحلي في إعادة الإعمار وبناء مستقبل أكثر أمنا وكرامة لأبناء غزة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير