وجّهت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، تحيّةً خاصة إلى رجال "وحدة الظل"، واصفةً إياهم بـ"الجنود المجهولين" الذين حافظوا على أسرى الاحتلال في قطاع غزة على مدار عامين من معركة "طوفان الأقصى"، في ظروفٍ أمنية وميدانية بالغة التعقيد، مؤكدةً أنهم بذلوا جهدهم ودماءهم حتى تحقق وعد المقاومة لأسرى الشعب الفلسطيني بالحرية.
وتُعتبر "وحدة الظل" من أكثر التشكيلات القتالية والأمنية سرّيةً داخل كتائب القسام، وقد كُشف عنها رسميًا لأول مرة عام 2016 عندما بثّت الكتائب فيلماً وثائقياً بعنوان "وحدة الظل"، كشفت فيه للمرة الأولى تفاصيل جزئية عن مهام الوحدة ومشاهد من عملها.
أُسِّست الوحدة عقب أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، وأُوكلت إليها مهمة الإشراف على ملف الأسرى الإسرائيليين في غزة — من الحراسة والتأمين إلى التنظيم اللوجستي والاتصالات السرّية — حتى لحظة إتمام أي صفقة تبادل.
أفراد الوحدة يُختارون بعناية فائقة من بين نخبة المقاتلين، ويخضعون لتدريبات عالية في الأمن الميداني، المراقبة، التمويه، والعمل في ظروف العزلة التامة، ويُمنع عليهم التواصل الخارجي أو الظهور العلني حتى لأفراد من داخل الكتائب نفسها.
ويُقال إن أماكن احتجاز الأسرى تغيّرت عشرات المرات خلال العدوانات المتكررة على القطاع حفاظًا على سرية المواقع.
مهام معقدة في قلب النار
خلال السنوات الأخيرة، كانت وحدة الظل مسؤولة عن تأمين حياة الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة، ومن بينهم الجنديان هدار غولدن وشاؤول آرون اللذان أُسرا خلال معارك 2014، بالإضافة إلى الإسرائيليين أبراهام منغيستو وهشام السيد.
ورغم آلاف الغارات الجوية ومحاولات الاحتلال الاستخبارية، فشلت "إسرائيل" في تحديد أماكن احتجازهم أو الوصول إلى أي معلومة دقيقة عن مصيرهم، وهو ما يُعدّ إنجازًا استخباريًا للقسام وللوحدة تحديدًا.
خلال معركة "طوفان الأقصى" (منذ أكتوبر 2023)، واجهت الوحدة تحديات استثنائية، إذ اضطر مقاتلوها إلى نقل الأسرى بين مواقع متعددة تحت القصف، مستخدمين أنفاقًا ومسارات سرية مؤمنة، ما عرّضهم لخطر الموت في كل لحظة.
وأكدت مصادر قريبة من الكتائب أن بعض مقاتلي الوحدة استُشهدوا أثناء قيامهم بتلك المهام، فيما أصيب آخرون خلال عمليات النقل أو الحماية الميدانية.
أمن الحديد.. وسرّ الصمت
تحافظ قيادة القسام على سرية أعضائها حتى بعد استشهادهم، فلا تُعلن أسماءهم ولا صورهم، احترامًا لطبيعة عملهم التي تقتضي الصمت المطلق.
يُذكر أن وحدة الظل لا تعمل بمعزل عن الجهاز الأمني الأوسع في المقاومة، بل تنسق مع وحدة الأمن الداخلي القسامي وجهاز الاستخبارات العسكرية ضمن منظومة محكمة تُدار بسرية عالية، لضمان تأمين كل ما يتعلق بملف الأسرى والمفاوضات.
ويرى خبراء عسكريون أن قدرة القسام على حماية هذا الملف لسنوات رغم اختراقات الاحتلال التكنولوجية تعكس تطورًا نوعيًا في أمن المقاومة، وتؤكد أن “المقاومة في غزة لا تعمل بعشوائية، بل ضمن منظومات أمنية معقدة تضاهي الجيوش النظامية في التنظيم والانضباط”.
تحقيق الوعد بالحرية
تأتي تحية القسام في سياق الاحتفاء بإنجاز صفقة تبادل الأسرى التاريخية التي تم تنفيذ مرحلتها الاخيرة قبل أيام، وأُفرج خلالها عن مئات الأسرى الفلسطينيين ذوي الأحكام العالية والمؤبدات.
وقالت الكتائب في بيانها إن “تحية وحدة الظل هي تحية لرجال عاشوا بصمتٍ في دهاليز الظلام كي يخرج النور لأسرانا الأحرار”، مؤكدة أن هذه الصفقة ما كانت لتُنجز لولا تضحيات هؤلاء الذين “صانوا الأمانة في أوقاتٍ كانت فيها السماء تمطر نارًا والأرض تبتلع مواقع كاملة”.
وبين جدرانٍ صامتة وتحت الأرض، عاش رجال وحدة الظل سنواتٍ طويلة لا يُعرف عنهم شيء، لكن أثرهم كان عميقًا في واحدة من أعقد معارك الإرادة بين الاحتلال والمقاومة.
فهم جنودٌ لا يُذكرون في نشرات الأخبار، ولا يحملون أوسمة على صدورهم، لكنهم حملوا أثقل الأسرار وأقدس الأمانات؛ ليكتبوا في صمتٍ سيرةً بطوليةً من نوعٍ مختلف — بطولة الظل التي صنعت النور.