قائمة الموقع

من الزنزانة إلى المنبر الأدبي: أربعة كتّاب فلسطينيين أحرار

2025-10-16T10:30:00+03:00
متابعة_الرسالة نت

في مشهد إنساني وثقافي نادر، تتوّج فلسطين فصلاً جديداً من حكاية الوجع والصمود بإطلاق سراح أربعة من أبرز الكتّاب الفلسطينيين الأسرى، الذين أمضوا عقوداً طويلة في سجون الاحتلال الإسرائيلي، هم باسم خندقجي، كميل أبو حنيش، ناصر أبو سرور، وخليل أبو عرام.

هؤلاء الأربعة، كما يصفهم الكاتب السوري المقيم في فرنسا علي سفر، ينتمون إلى جيلٍ خاص من المناضلين الذين لم يضعفهم الأسر، بل جعلوا من الزنازين منابر للكتابة والفكر، ومن القضبان حروفاً تنبض بالحرية والمقاومة.

 

الأدب فعل مقاومة

يقول علي سفر في مقاله المنشور في موقع العربي الجديد إن هؤلاء الكتّاب شكّلوا حالة استثنائية في التجربة الفلسطينية، إذ استطاعوا أن يحوّلوا العزلة إلى معرفة، والسجن إلى فضاءٍ للحرية الفكرية.

لم تكن كتاباتهم مجرّد نصوص تصف الأسر، بل كانت ممارسة مقاومة يومية ضد الإبادة البطيئة التي تمارسها إسرائيل على الوجود الفلسطيني. فالكلمة، بالنسبة لهم، لم تكن ترفاً ثقافياً، بل سلاحاً في وجه المحتل، ووسيلة لانتزاع الوعي من بين جدران القهر.

 

ناصر أبو سرور.. الشعر من وراء الجدار

الأقدم بين الأربعة هو ناصر أبو سرور، المعتقل منذ عام 1993، والمحكوم بالمؤبد.

يصفه الكاتب بأنه أحد الأصوات الشعرية والروائية النادرة التي حوّلت السجن إلى مرآة للإنسانية. أصدر ديوان "السجن وأشياء أخرى"، ورواية "حكاية جدار" التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، وفيها يحوّل الجدار من رمزٍ للعزلة إلى مساحةٍ للتأمل والمقاومة.

ويرى علي سفر أن أبو سرور قدّم نموذجاً للكاتب الذي لا يكتب عن السجن، بل من داخله، ليجعل من الألم لغة ومن القيود نصاً مفتوحاً على الأمل.

 

كميل أبو حنيش.. المثقف المقاتل

أما كميل أبو حنيش، المعتقل منذ عام 2002، فقد جمع بين الفعل السياسي والإبداع المعرفي، مؤلفاً أكثر من خمسة عشر كتاباً بين الأدب والفكر، من بينها روايات "خبر عاجل"، "الكبسولة"، و*"تعويذة الجليلة"، وأعمال فكرية مثل "جدلية الزمان والمكان في الشعر العربي" و"الكتابة والسجن: عالم الكتابة في الأسر"*.

ويشير سفر إلى أن أبو حنيش يمثّل نموذج “المثقف المقاتل”، الذي يواجه السجن بالقلم والفكر، محوّلاً الزنزانة إلى مختبرٍ للوعي الوطني، ومعملاً لصياغة خطاب ثقافي أسير يربط بين الحرية والمعرفة.

 

خليل أبو عرام.. نقد القداسة الثورية

يُبرز الكاتب أيضًا تجربة خليل أبو عرام، الذي اعتُقل مراتٍ عدّة منذ انتفاضة الأقصى، وكرّس سنوات سجنه للبحث والتحليل، حتى حصل على درجة الماجستير في الدراسات الإسرائيلية.

ألّف أبو عرام كتباً ودراسات فكرية، أبرزها "القدّيس والخطيئة", وهو عمل نقدي جريء يتناول الحركة الأسيرة من الداخل، كاشفاً التناقض بين القداسة الثورية والممارسة اليومية داخل المعتقل.

ويصف علي سفر هذا العمل بأنه “شهادة فكرية تسعى لتحرير الوعي الأسير من عبادة الشعارات إلى نقد الذات وتطوير التجربة الثورية”.

باسم خندقجي.. الأسير الذي كتب البوكر

 

ويصل المقال إلى ذروته عند الحديث عن باسم خندقجي، الذي تحوّل إلى رمز أدبي عالمي بعد فوزه عام 2024 بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عن روايته "قناع بلون السماء".

ولد خندقجي في نابلس عام 1983، واعتُقل في سن العشرين ليُحكم بثلاثة مؤبدات. لكنه، كما يصفه الكاتب، رفض أن يكون السجن نهاية القصة، فحوّله إلى فضاءٍ للإبداع والتأمل، وكتب روايات أصبحت علامات في الأدب الفلسطيني مثل "مسك الكفاية"، "نرجس العزلة"، "خسوف بدر الدين"، و*"سادن المحرقة"*.

ويرى سفر أن خندقجي تجاوز المفهوم التقليدي للسجن، إذ جعل من العزلة ممارسة فكرية ووجودية، وواصل أبحاثه من خلف القضبان، فكتب دراسات في مجلة الدراسات الفلسطينية حول الإبادة الفردية في فلسطين المستعمَرة، معتبرًا أن الاحتلال لا يقتل الجسد فقط، بل يستهدف الوعي والذاكرة والهوية.

 

الفلسفة والمقاومة في “قناع بلون السماء”

في روايته الأشهر "قناع بلون السماء", يستعرض علي سفر كيف يمزج خندقجي بين الخيال والفكر في حكاية الباحث الفلسطيني “نور” الذي ينتحل هوية باحث إسرائيلي ليتسلل إلى الحفريات الأثرية في فلسطين المحتلة بحثًا عن دلائل الوجود الفلسطيني في الأرض.

لكن المفارقة تظهر حين يتبدّل السرد في الجزء الثاني ليصبح الصوت الإسرائيلي هو المتحدث، في حوار متخيل بين الضحية والجلاد، يعيدنا إلى مسرحية "الاغتصاب" لسعد الله ونوس، حيث يتواجه الطرفان في ساحة الوعي أكثر من ساحة المعركة.

يقول سفر إن هذا التبادل بين الصوتين يخلق مساحة فلسفية جديدة، يواجه فيها الطرفان أسئلة الوجود والحق والتاريخ، ويكشفان هشاشتهما أمام الحقيقة الإنسانية العارية.

 

من القيد إلى الأفق الإنساني

يختم علي سفر مقاله بالتأكيد على أن تجربة هؤلاء الأربعة لا يمكن اختزالها في حدود الأدب الفلسطيني الأسير، بل هي تجربة إنسانية عالمية، تُذكّر بأن الكلمة قادرة على كسر الجدران، وأن الكتابة في السجن ليست فعلاً ترفيهياً، بل صيغة مقاومة ومعنى للحرية في زمن الإبادة البطيئة والمراقبة الدائمة.

 

لقد غادر هؤلاء الكتّاب السجن، لكنّهم تركوا وراءهم أدباً يقاتل من الداخل، يشهد أن الحرية ليست مكاناً، بل وعي يتجدد مع كل نصّ يُكتب بالدم والوجدان.

اخبار ذات صلة