يرى الدكتور نور الدين العلوي، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية، أن وقف إطلاق النار في غزة لم يكن نهاية معركة بل بداية مرحلة جديدة من الوعي والتحول التاريخي. فبينما يسارع بعض المنتقدين إلى التقليل من شأن ما حققته المقاومة الفلسطينية بحجة أن “إسرائيل ما زالت قائمة”، يؤكد العلوي في مقاله على موقع الجزيرة مباشر، أن غزة لم تُهزم، بل أنجزت هدفها الأعمق: هدم هيبة الكيان الصهيوني، وفضح سرديته الأخلاقية أمام العالم، وزرع أول شقٍّ في جدار شرعيته الدولية.
ويرى الكاتب أن من يطالب المقاومة بنتائج خيالية أو بوعود أسطورية من قبيل “رمي إسرائيل في البحر” إنما يردّد كذبة قديمة روّجتها أنظمة عربية فاشلة لتبرير عجزها، وهي الأنظمة التي انتهت باحتلال أراضيها وتوقيع اتفاقيات تطبيع مع المحتل.
أما المقاومة في غزة، فقد كانت منذ فجر “طوفان الأقصى” واقعية ومدركة لحدودها، محددةً هدفها بوضوح: خلخلة الكيان وفضح طبيعته العنصرية، وتحطيم أسطورة الردع الإسرائيلية التي خدعت العالم نصف قرن.
من المعركة الميدانية إلى المعركة الأخلاقية العالمية
ويستعيد العلوي مشاهد الحرب في أيامها الأولى، حين كان العدو يقصف بلا توقف، ظنًّا أنه قادر على كسر المقاومة خلال أيام. لكن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ تحوّل العدوان إلى منصة لفضح الجرائم الإسرائيلية أمام العالم.
صور الأطفال المحترقين، والمجازر في المستشفيات والملاجئ، حوّلت التعاطف الدولي من حياد بارد إلى غضب شعبي واسع، فامتلأت شوارع لندن وباريس ومدريد ونيويورك بملايين المتظاهرين، لتصبح كل مظاهرة في أي عاصمة جزءًا من خطة المقاومة في فضح الكيان وإسقاط أسطورته الأخلاقية.
ويرى الكاتب أن هذا التحول يمثل انتصارًا أخلاقيًا وإنسانيًا غير مسبوق، وأن المقاومة كانت تتابع هذا التغير بثبات، مدركةً أن المعركة لا تُقاس بعدد الصواريخ، بل بما يترتب عليها من وعي عالمي متصاعد يضع “إسرائيل” في قفص الاتهام.
وعي عالمي جديد
وفي النصف الثاني من العام الثاني للحرب، بدأت نتائج هذا التحول تظهر بوضوح. فالكثير من النخب الغربية التي كانت صامتة أو متواطئة تخلّت عن حيادها، وخرجت إلى الشوارع تحمل العلم الفلسطيني وتتهم "إسرائيل" صراحة بارتكاب إبادة جماعية، وهي الكلمة التي باتت تُتداول في وسائل الإعلام والأمم المتحدة والمحاكم الدولية.
لقد انقلبت السردية رأسًا على عقب: من “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” إلى “جرائم إسرائيل ضد الإنسانية”.
وبهذا – كما يقول العلوي – تحقق أحد أهم أهداف “طوفان الأقصى”: تحويل الوعي العالمي من التعاطف مع الضحية إلى محاسبة الجلاد.
الكيان خسر معركته الاستراتيجية
ويوضح الكاتب أن "إسرائيل" خاضت الحرب لتحقيق هدفين رئيسيين: تهجير سكان غزة نحو سيناء أو البحر، ثم التفرغ للضفة الغربية لتكرار السيناريو نفسه.
لكن هذه الخطة سقطت تمامًا. فأهل غزة بقوا في أرضهم رغم المجازر، وصار وجودهم شهادة قانونية وسياسية على سقوط مشروع التهجير إلى الأبد.
لقد ثبت للعالم أن الفلسطيني ليس عابرًا في المكان، بل هو صاحب الأرض الذي لا يُقتلع. وهذه الحقيقة، كما يصفها العلوي، أصبحت الآن جزءًا من الوعي العالمي و"حجة قانونية جديدة" في مواجهة الاحتلال.
ويقرّ الكاتب أن الكيان ما زال قائمًا، يملك السلاح والدعم المالي والسياسي من حلفائه، لكنه فقد ما هو أخطر من الأرض: فقد شرعيته الأخلاقية وتماسكه الداخلي.
فقد تفتّتت جبهة الدعم الخارجي، وانكشفت هشاشة السردية الصهيونية أمام الرأي العام العالمي، حتى داخل المجتمعات الغربية التي كانت تعتبر إسرائيل “حليفًا طبيعيًا”.
ويشير العلوي إلى أن الكثير من السياسيين والإعلاميين باتوا يحسبون خطواتهم مرتين قبل دعم تل أبيب، لأن الكلفة الأخلاقية أصبحت باهظة.
لم تعد "إسرائيل" “رمز الديمقراطية في الشرق الأوسط”، بل صارت عنوانًا للفصل العنصري والدمار. ومع هذا السقوط الرمزي، كما يرى الكاتب، بدأت رحلة النهاية البطيئة لكيانٍ يخرج تدريجيًا من التاريخ، تمامًا كما خرجت قبله أنظمة استعمارية كثيرة ظنّت أنها خالدة.
الوعي العربي والدرس القادم
ويضيف العلوي أن المعركة لم تكن دفاعًا عن غزة فقط، بل كشفت زيف الأنظمة العربية التابعة التي تعيش من خدمة الكيان، وتستخدم عداءها للمقاومة ذريعة للبقاء في الحكم.
أما الشعوب العربية، فهي مدعوة اليوم إلى التقاط لحظة الوعي هذه، فالمعركة تحولت من جغرافيا صغيرة إلى معركة كونية ضد الظلم والهيمنة.
ويقول العلوي إن الوعي الغربي الجديد بالحق الفلسطيني قد يمتد إلى إنصاف كل الشعوب العربية المقهورة التي تعيش تحت أنظمة متحالفة مع الاحتلال.
فمن غزة خرجت شرارة الحرية، ومن شوارع الغرب ارتد صداها، وما تبقّى هو أن تتحول هذه الموجة من وعي إلى فعل سياسي قادر على تغيير المعادلات.
يختتم الدكتور نور الدين العلوي مقاله بجملة مكثفة تختصر المشهد كله: “لم ترمِ غزة إسرائيل في البحر، لكنها أخرجتها من التاريخ بواقعية متدرجة وذكاء المعارك الكبرى التي تغيّر مسار الأمم.”
إنها ليست نهاية الحرب، بل بداية وعيٍ عالمي جديد، انطلقت شرارته من بين ركام غزة، لتعيد تعريف معنى النصر والهزيمة، وتكتب من جديد تاريخ المنطقة والعالم بلغة المقاومة والصمود.