لم تمر أيام كثيرة على أصوات الحرب في غزة حتى عادت أدوات الاحتلال لتواصل مهمتها في الضفة الغربية، ولكن بصمتٍ مختلف: أوامر عسكرية وأختام حديدية على أراضٍ مزروعة بالزيتون. هذه المرة، جاء القرار في قرية اللبن الشرقية جنوبي نابلس، حيث تلقّى السكان إخطارًا عسكريًا بالاستيلاء على نحو 70 دونمًا من أراضيهم الزراعية المحيطة بمستوطنة "عيلي"، بحجة "الأغراض الأمنية والعسكرية".
الخبر لم يكن مفاجئًا، لكن وقعه كان ثقيلًا. فالمنطقة التي يستهدفها القرار تضم نحو 20 منزلًا شرقي القرية، بمحاذاة شارع (60) الالتفافي. ويخشى الأهالي أن تتحول بيوتهم إلى جزيرة معزولة داخل منطقة عسكرية مغلقة، لا يُسمح لهم بدخولها إلا بإذنٍ من الجيش.
سياسة "الأحزمة الأمنية"
تقول هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إن هذا القرار ليس معزولًا، بل يأتي ضمن نهجٍ إسرائيلي متسارع بعد العدوان على غزة، يتمثل في إقامة مناطق عازلة حول المستوطنات بحجة الأمن. ووفقًا لبيانات الهيئة، أنشأت سلطات الاحتلال 26 منطقة عازلة جديدة خلال العامين الماضيين بموجب أوامر مشابهة، في حين بلغ عدد أوامر المصادرة الصادرة منذ مطلع عام 2025 53 أمرًا عسكريًا.
ويشرح مدير دائرة النشر والتوثيق في الهيئة، أمير داود، أن الاحتلال يستخدم هذه الأوامر كأداة للسيطرة الهادئة على الأرض، إذ لا تقتصر على الشريط المعلن للمصادرة فحسب، بل تمتد فعليًا لتمنع الفلسطينيين من الوصول إلى مئات الدونمات المحيطة، ما يحوّل المنطقة شيئًا فشيئًا إلى مستوطنة مغلقة.
قرية محاصرة بين المستوطنة والطريق الالتفافي
في اللبن الشرقية، يشير رئيس المجلس القروي إلى أن الأراضي المصادرة ليست سوى بداية، فـ"الشريط المعلن قد يكون 70 دونمًا، لكن تأثيره الفعلي سيطال أكثر من 800 دونم من بساتين الزيتون التي سيُمنع المزارعون من الوصول إليها".
ويضيف أن القرار يهدد بقطع التواصل بين القرية وحقولها الشرقية، وتحويلها إلى منطقة معزولة، مما سيؤثر مباشرة على مصدر رزق عشرات العائلات.
توقيت مدروس
الهيئة أوضحت أن الأمر العسكري صدر بتاريخ 21 أيلول/سبتمبر 2025، لكنه نُشر رسميًا بعد انتهاء المهلة القانونية للاعتراض، في خطوةٍ اعتبرتها "مقصودة لحرمان أصحاب الأراضي من الدفاع عن حقوقهم".
وتضيف أن الاحتلال يُكثّف في الأشهر الأخيرة استخدام بند "الضرورات العسكرية" لتغطية التوسع الاستيطاني، ما جعل مناطق واسعة من الضفة تتحول فعليًا إلى خارطة أمنية مغلقة.
توسع استيطاني متسارع
تشير أرقام هيئة مقاومة الجدار إلى أن سلطات الاحتلال استولت منذ عام 2023 على أكثر من 55 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية، وأقامت حتى اليوم 25 منطقة عازلة قبل القرار الأخير، مما يعكس تضاعف وتيرة التوسع الاستيطاني منذ بدء حرب الإبادة على غزة.
وفي السياق ذاته، سجّلت الضفة الغربية منذ اندلاع العدوان على القطاع استشهاد أكثر من 1050 فلسطينيًا، وإصابة نحو 10 آلاف آخرين، واعتقال ما يزيد على 20 ألف مواطن، بينهم 1600 طفل، في موجة قمعٍ موازية للعدوان العسكري على غزة.
في اللبن الشرقية، يعيش الناس اليوم بين انتظارٍ وخوف. الخوف من أن يُحاصرهم جدار جديد، والانتظار لمعرفة ما إذا كان بيتهم القادم سيكون داخل "منطقة أمنية"، أو على حافة مستوطنة جديدة.