كشفت نتائج استطلاع حديث أجراه معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) بجامعة تل أبيب عن تحوّل عميق في المزاج الإسرائيلي العام بعد حرب غزة، حيث أظهر أن أغلبية الإسرائيليين تؤيد اتفاق إنهاء الحرب، رغم أن نصفهم تقريباً يقرّ بعدم تحقيق أي نصر حقيقي، وسط تراجع حاد في الثقة بالحكومة ورئيسها بنيامين نتنياهو، مقابل تمسّك نسبي بالثقة في المؤسسة العسكرية.
الاستطلاع الذي نُفّذ بين 9 و13 تشرين الأول/أكتوبر 2025 وشمل 946 مشاركاً (802 بالعبرية و144 بالعربية) بهامش خطأ لا يتجاوز 3.18%، يقدم صورة دقيقة عن واقع المجتمع الإسرائيلي بعد عامين من الحرب التي خلّفت انقساماً داخلياً غير مسبوقٍ، وتآكلاً في سردية "الانتصار العسكري" التي حاولت الحكومة الترويج لها.
بحسب نتائج الاستطلاع، فإن 76% من الإسرائيليين يؤيدون اتفاق إنهاء الحرب على غزة، مقابل 11% فقط عارضوه و13% لم يحددوا موقفهم.
لكن اللافت أن نصف المشاركين (حوالي 50%) قالوا صراحة إن الحرب لم تحقق نصراً لأي طرف، بينما اعتبر 30% فقط أن "إسرائيل" انتصرت، في حين رأى 11% أن حركة حماس هي المنتصرة.
وأقرّ 46% من المستطلعة آراؤهم بأن أهداف الحرب لم تتحقق، مقابل 44% قالوا إنها تحققت جزئياً، في حين عبّر 60% عن شكّهم في أن اتفاق إنهاء الحرب سيجلب هدوءاً دائماً، واعتقد نصفهم تقريباً أن أحداث 7 أكتوبر قد تتكرر من جديد.
فجوة الثقة
وأبرزت نتائج الاستطلاع فجوة واسعة بين ثقة الجمهور بالجيش وثقته بالحكومة.
فقد أبدى 78% من الإسرائيليين ثقة كبيرة بالمؤسسة العسكرية، وخصوصاً بسلاح الجو الذي حاز ثقة 77%، بينما بلغت الثقة بالاستخبارات العسكرية 64% فقط بعد تراجع واضح منذ يونيو الماضي.
أما رئيس الأركان إيال زامير، فقد ارتفعت نسبة الثقة به إلى 63% مقارنة بـ58% في أيلول/سبتمبر، وهو ما اعتبر مؤشراً على استمرار اعتماد الجمهور على الجيش كـ"العمود الأخير للدولة".
في المقابل، تدهورت ثقة الإسرائيليين بالحكومة إلى 27% فقط، وبنتنياهو إلى 33%، فيما أعلن 72% أنهم لا يثقون بالحكومة مطلقاً، و66% لا يثقون بنتنياهو شخصياً.
وتوضح الأرقام أن هذه الفجوة السياسية متجذّرة: فبينما بلغت الثقة بالحكومة 63% لدى ناخبي الائتلاف الحاكم، لم تتجاوز 5% لدى ناخبي المعارضة، و8% فقط بين المواطنين العرب في الداخل.
لجنة تحقيق
ومن أبرز نتائج الاستطلاع أيضاً أن 74% من الإسرائيليين طالبوا بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في أداء الحكومة والجيش خلال الحرب، مقابل 17% فقط رفضوا الفكرة.
ويكشف التفصيل أن 52% من ناخبي الائتلاف و92% من ناخبي المعارضة يؤيدون التحقيق في الإخفاقات، لا سيما تلك التي سبقت هجوم 7 أكتوبر.
كما دعا 53% من الإسرائيليين إلى إجراء انتخابات مبكرة بعد انتهاء الحرب، وهي نسبة ترتفع إلى 78% بين ناخبي المعارضة، مقابل 16% فقط بين ناخبي الائتلاف، ما يعكس حالة الغليان السياسي في الشارع الإسرائيلي.
رفض واضح لدولة فلسطينية
ورغم انهيار الثقة بالحكومة والحرب، لا تزال غالبية الإسرائيليين ترفض أي حديث عن إقامة دولة فلسطينية، إذ عارض 57% قيامها في أي ظرف، بينما دعمها 30% بشروط محددة، وامتنع 14% عن تحديد موقفهم.
في المقابل، أيد 70% من العرب في "إسرائيل" فكرة الدولة الفلسطينية.
كما كشف الاستطلاع عن تصاعد القلق من مواجهة مقبلة مع إيران، حيث عبّر 62% عن خشيتهم من اندلاع حرب جديدة، مقابل ثلث المستطلعين الذين لم يبدوا قلقاً مماثلاً.
ترامب في عيون الإسرائيليين
وفيما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن، رأى نصف الإسرائيليين أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدعم "إسرائيل" فقط حين تتقاطع مصالحه معها، بينما اعتبر 34% أنه ملتزم فعلاً بأمنها، ووصفه 11% بأنه زعيم غير متوقع لا يمكن الاعتماد عليه.
ويُظهر هذا الموقف، وفق مراقبين، تراجع الشعور الإسرائيلي بالضمانة الأمريكية التقليدية التي كانت تُعد ركيزة أساسية في العقيدة الأمنية لتل أبيب.
تفكك داخلي
وفي محور "تماسك المجتمع"، أشار 39% من المشاركين إلى أن وحدة المجتمع الإسرائيلي تراجعت مقارنة بما قبل الحرب، مقابل 33% قالوا إنها ازدادت، و20% لم يروا تغيراً يُذكر.
كما عبّر 60% عن قلق شديد من الوضع الاجتماعي بعد الحرب، رغم أن 66% أعربوا عن تفاؤل نسبي بقدرة المجتمع على التعافي.
اللافت أيضاً أن 37% فقط من الإسرائيليين قالوا إنهم يشعرون بأمان شخصي عالٍ، وهي نسبة وإن ارتفعت عن الأشهر الماضية، إلا أنها تظل أدنى من المستويات الطبيعية في أوقات السلم.
هزيمة نفسية وسياسية
وفي المحصلة، فإن اعتراف نصف الإسرائيليين بعدم تحقيق النصر في حرب غزة يمثل سابقة غير مألوفة في تاريخ الكيان، ويؤشر إلى أن الحرب التي أرادها نتنياهو "حرب وجود" قد تحولت إلى نقطة تحوّل داخلية تهدد وجوده السياسي نفسه، وربما مستقبل التحالف الحاكم بأكمله.