في مقال ناري حمل عنوان "آلة الإبادة تتكلم بالعربية!"، شنّ الكاتب والمفكر الفلسطيني ساري عرابي هجومًا حادًا على عدد من وسائل الإعلام العربية التي وصفها بأنها "امتداد ناطق بلسان آلة الإبادة الإسرائيلية"، متهمًا إياها بتبنّي السردية الصهيونية وتبرير جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني، خصوصًا ضد حركة حماس، التي تحوّلت — كما قال — إلى "العدو الأول في عيون الإعلام العربي الممول حكوميًا".
يرى عرابي أن الخطاب الإعلامي العربي لم يعد فقط متخاذلًا أو محايدًا، بل تحول إلى أداة فعّالة في الحرب النفسية ضد المقاومة، تبرّر القصف وتطبع المجازر وتشيطن الضحية، حتى بدا أن الإبادة الإسرائيلية تتحدث بلغة عربية فصيحة.
"الإعلام العربي صار مرآة لسياسات التطبيع"
يبدأ الكاتب تحليله بتأكيد أن أداء وسائل الإعلام العربية الكبرى يفضح بوضوح مواقف الحكومات العربية من القضية الفلسطينية، خصوصًا منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي تزامن مع مساعٍ تفاوضية لإعادة تشكيل الوضع في غزة.
ويقول عرابي إن هذا الإعلام لم يعد أداة نقل للخبر، بل منصة سياسية تعبّر عن مواقف التطبيع المعلنة والمستترة، مشيرًا إلى أن بعض المثقفين العرب ما زالوا يصرّون — خطأً — على التفريق بين السياسات الإسرائيلية ومواقف الحكومات العربية المطبعة، رغم أن الواقع يثبت تماهي الطرفين.
ويضيف: "ما يقدمه الإعلام العربي اليوم بلسان حاله كافٍ لإسقاط أي تحليل كلاسيكي عن الفروقات بين الحكومات العربية وإسرائيل... فهذه الآلة الإعلامية تسوّق رواية العدو وتمنحه شرعية وجوده."
"القضية الفلسطينية أصبحت قابلة لاحتمال السردية الإسرائيلية"
يرى عرابي أن تحوّل القضية الفلسطينية إلى "وجهة نظر إعلامية" هو أخطر مظاهر الانحطاط السياسي العربي.
فلم يعد الانقسام الإعلامي يدور حول أساليب النضال أو الحلول السياسية، بل وصل إلى التشكيك في جوهر القضية نفسها، وجعل الاحتلال الإسرائيلي طرفًا يمكن التعاطف معه أو تبنّي مواقفه.
ويكتب: "منذ سنوات، صارت القضية الفلسطينية تُقدَّم في الإعلام العربي كمسألة خلافية، يمكن فيها تبرير العدوان وتفهم القاتل... لقد تحوّلت الشاشات العربية إلى غرف صدى للسردية الإسرائيلية."
"المشكلة ليست في الإبادة... بل في بقاء حماس!"
في واحدة من أقسى فقرات مقاله، يكشف عرابي عن جوهر الموقف الإعلامي العربي الرسمي: "لم تكن مشكلة هذه القنوات في الإبادة، بل في أن حماس لم تُفْنَ بهذه الإبادة!"
ويشير إلى تصريحات إعلاميين بارزين في قنوات مثل "سكاي نيوز عربية" و"العربية" أعربوا فيها عن استيائهم من استمرار وجود حماس بعد الحرب، واعتبروا أن "أمريكا يجب أن تعالج هذا الإخفاق".
ويصف عرابي هذا الخطاب بأنه تعبير فاضح عن رغبة عربية رسمية في تصفية الحركة جسديًا وسياسيًا، مشيرًا إلى أن بعض الأنظمة كانت ترى في الإبادة "مجازًا مقبولًا" إذا كانت نتيجتها إنهاء وجود حماس في غزة.
"من أوسلو إلى الإبادة... الإعلام العربي يبرر القتل"
يعود الكاتب إلى الجذور التاريخية لهذا التواطؤ، موضحًا أن الانحراف الإعلامي بدأ منذ توقيع اتفاق أوسلو (1993)، وتعمّق بعد احتلال العراق عام 2003، حين ظهرت قنوات عربية جديدة مموّلة رسميًا تهاجم المقاومة العراقية وتبرّر الاحتلال الأمريكي.
ويرى عرابي أن هذا النموذج الإعلامي نفسه هو الذي يُعاد إنتاجه اليوم لتبرير الجرائم الإسرائيلية في غزة، حتى باتت المجازر تُعرض كمشاهد طبيعية على شاشات عربية، بينما تُوجَّه الاتهامات للمقاومة بأنها سبب المعاناة.
ويتابع: "مدير قناة عربية دعا صراحة إلى ‘كيّ الوعي العربي‘، وهو مصطلح إسرائيلي استخدمته تل أبيب خلال الانتفاضة الثانية لتبرير تدمير الضاحية الجنوبية في لبنان، وهي العقيدة نفسها التي اعتمدت عليها إسرائيل في حرب الإبادة على غزة."
"إبادةٌ بإخراجٍ عربي"
يؤكد عرابي أن الإعلام العربي لم يكتفِ بتبرير الإبادة، بل شارك في إخراجها وتجميلها عبر خطاب منسّق مع العواصم العربية الكبرى.
فحين استأنف الاحتلال عدوانه في 19 تشرين الأول/أكتوبر، سارعت هذه القنوات إلى اتهام حركة حماس بانتهاك وقف إطلاق النار، متجاهلة الخروقات اليومية للاحتلال، وهو ما يراه الكاتب دليلاً على "شراكة إعلامية في الجريمة".
كما يشير إلى أن القنوات العربية تجاهلت إعادة فرض الأمن في غزة بعد وقف الحرب، حين قامت الأجهزة الأمنية التابعة للمقاومة بتوقيف عناصر تخريبية سرقت المساعدات ونشرت الفوضى، لتصور ذلك بأنه "حرب أهلية" وانتقام من الخصوم، بينما كان في الحقيقة استعادة للنظام بعد الإبادة.
"التحالف مع إسرائيل أصبح خيارًا نهائيًا"
يذهب عرابي إلى أن هذا الانحياز الإعلامي ليس طارئًا، بل يعكس مسارًا سياسيًا متعمّدًا تسلكه الأنظمة العربية نحو الاصطفاف الكامل مع إسرائيل، خاصة بعد توقيع الاتفاقات الإبراهيمية عام 2020، ومشاركة بعض الدول في "ورشة البحرين" عام 2019 التي كانت المقدمة الاقتصادية لـ"صفقة القرن".
ويكتب: "ما نراه اليوم ليس مجرد تواطؤ إعلامي، بل استثمار سياسي في الإبادة... فالحكومات التي تموّل هذا الإعلام لا تصفي حسابًا مع حماس، بل مع فكرة المقاومة ذاتها."
"الإبادة كأداة لإبادة المعنى العربي"
يختم ساري عرابي مقاله بملاحظة شديدة الدلالة: "إنها مصلحة واحدة بين دولة الإبادة والإعلام العربي الموالي لها... فالإبادة هنا لا تقتل الجسد الفلسطيني فقط، بل تُفني المعنى العربي ذاته، وتحول القضايا التحررية إلى ملفات أمنيّة."
ويؤكد أن الهدف من هذا المسار هو اقتلاع فكرة المقاومة من الوعي الجمعي العربي، وتجريد القضية الفلسطينية من بعدها السياسي والثوري، لتصبح مجرد ملف إنساني أو أزمة إنعاش اقتصادي.
يضع مقال ساري عرابي إصبعه على جرح نازف في الجسد العربي: حين تتحول شاشات العرب إلى أبواق للاحتلال، يصبح الصمت خيانة والكلمة جريمة.
ففي زمن تهافت التطبيع وتواطؤ الإعلام الرسمي، لم تعد آلة الإبادة بحاجة إلى ناطق عبري؛ فقد وجدت من يتكلم عنها بالعربية... بل بلهجة عربية فصيحة.