“شهداء الحقيقة في زمن الإبادة”

فاطمة العيساوي تكتب عن مراسلي غزة الذين نقلوا الحقيقة وضحّوا في سبيلها

الرسالة نت - متابعة

في مقالٍ مؤثر للكاتبة والإعلامية اللبنانية فاطمة العيساوي تناولت فيه مأساة الصحافيين الفلسطينيين في قطاع غزة الذين تحوّلوا إلى خط الدفاع الأول ضد التعتيم الإسرائيلي خلال حرب الإبادة.
ترصد العيساوي في مقالها الذي نُشر في صحيفة العربي الجديد، حجم التضحية المروّعة التي قدّمها هؤلاء الصحافيون الذين واصلوا التغطية رغم القصف، فاستشهد منهم أكثر من 250 إعلامياً وصحفياً، بينما نجا آخرون جسدياً لكنهم ما زالوا أسرى الصدمة والرعب والذاكرة الملطخة بالدخان والدماء.

العيساوي: نجا من نجا وقتل من قتل

تبدأ العيساوي مقالها بوصف موجز وموجع: “نجا من نجا وقتل من قتل من صحافيي غزة في حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع”.
وتوضح أن هؤلاء لم يكونوا مجرّد ناقلين للخبر، بل شهوداً على الجريمة، وأصحاب رسالة كسر الحصار الإعلامي المفروض على غزة.
فبينما كانت "إسرائيل" تسعى إلى حجب الصورة وعزل العالم عن تفاصيل المجازر، كان المراسلون الفلسطينيون يواصلون التغطية تحت القصف، يحملون الكاميرا على أكتافهم كأنها درع، ويوثقون لحظة بلحظة مشاهد الموت الجماعي.

تقول الكاتبة إن العالم لم يعترف بجهودهم قبل الحرب، فقد كانوا بالنسبة للمؤسسات الإعلامية الكبرى مجرد “fixers” أو مساعدين ميدانيين، لكنهم في حرب الإبادة أثبتوا أنهم الصحفيون الحقيقيون الذين حملوا عبء الحقيقة وحدهم.

القتل كوسيلة لإسكات الصورة

تتوقف العيساوي عند جريمة اغتيال مراسل الجزيرة أنس الشريف وزملائه محمد قريقع وإبراهيم زاهر ومحمد نوفل الذين استُهدفوا بغارة إسرائيلية قرب مستشفى الشفاء في أغسطس 2025.
تؤكد الكاتبة أن الشريف كان من أبرز الأصوات الإعلامية التي كشفت فظاعة الإبادة، وأن مقتله لم يكن عرضياً بل تنفيذاً لسياسة اغتيال ممنهجة ضد الإعلاميين الفلسطينيين الذين فضحوا رواية الاحتلال.

وتشير العيساوي إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يُخفِ الجريمة، بل تباهى بها، مبرراً بأن الصحافيين “ينتمون إلى حماس”، وهي الذريعة ذاتها التي تكررت منذ بداية الحرب لتبرير قتل المراسلين.
وتضيف أن منظمات حرية الصحافة حذّرت منذ عام 2024 من أن الاتهامات ضد أنس الشريف “مفبركة مسبقاً لتهيئة الرأي العام لقبول قتله”.


“خلية إضفاء الشرعية”

تقتبس العيساوي من تحقيق مشترك لمجلة +972 وصحيفة لوكال كول العبرية، كشف عن وجود خلية إسرائيلية سرية أُطلق عليها اسم “خلية إضفاء الشرعية”، مهمتها تشويه سمعة الصحافيين الفلسطينيين وتصنيفهم كـ “مقاتلين” قبل تصفيتهم، لتخفيف ردود الفعل الدولية على جرائم اغتيالهم.
وترى الكاتبة أن هذه السياسة تمثل إعداماً ميدانياً مبرمجاً للصحافة الفلسطينية، هدفه الوحيد كسر إرادة التغطية واستكمال التعتيم الإعلامي على جرائم الحرب.

الشجاعة وحدها لا تكفي

تكتب العيساوي بأسى: “لا تكفي تعبيرات مثل الشجاعة والتضحية في وصف التغطية الصحافية لحرب إبادة لم يسبق لها مثيل، ولم يستعدّ لأهوالها أحد.”

وتشير إلى أن استمرار الصحافيين في عملهم لم يكن بدافع المهنة فقط، بل كان فعل وجود ومقاومة إنسانية.
فهم لم يملكوا سلاحاً سوى الكاميرا، ولم يكن أمامهم سوى خيارين: أن يصمتوا ويموتوا ببطء، أو أن يصوّروا ويموتوا واقفين.
وبحسب العيساوي، فقد اختاروا الخيار الثاني لأنهم أدركوا أن نقل الصورة هو أقوى أشكال المقاومة في وجه المحو الإسرائيلي.

أيقونة البقاء وسط الفقد

تستشهد الكاتبة بمشهد مراسل الجزيرة وائل الدحدوح الذي واصل تغطيته بعد أن فقد زوجته وأبناءه في قصف طال منزله.
تصفه بأنه رمز الصحافي الذي تحوّل إلى ضمير حيّ للأمة، إذ لم ينهر أمام الكاميرا، بل واصل البث في اليوم التالي من بين الركام ليقول للعالم: “ما زلنا هنا”.
وترى العيساوي أن الدحدوح لم يكن استثناءً، بل نموذجاً لجيل كامل من المراسلين الذين اختاروا أن يواجهوا الموت بالصوت والصورة لا بالصمت.

الصحافة كفعل بقاء في ساحة الإبادة

تقول العيساوي إن الصحافة في غزة لم تكن مهنة عابرة بل معركة وجود.
الناجون من القصف لا يعيشون سلاماً، فهم يعانون من صدمة مستمرة (تروما) بعد أن فقدوا زملاءهم وعائلاتهم.
لكن رغم ذلك، فإن دوافعهم تتجاوز الحاجة المادية إلى الإيمان العميق بأن “الكاميرا آخر خطوط الدفاع عن الذاكرة الفلسطينية”.
وتضيف أن العالم الذي تجاهلهم في حياتهم، يحتفل اليوم بصورهم بعد موتهم، وكأن الاعتراف لا يأتي إلا بعد أن تسكت أصواتهم.

المطالبة بالعدالة المفقودة

وتشير العيساوي إلى أن العدالة في جرائم قتل الصحافيين لا تزال بعيدة المنال، مستذكرة قضية المصور اللبناني عصام عبد الله الذي قتل في غارة إسرائيلية أثناء تغطية العدوان في جنوب لبنان عام 2024، فيما فقدت زميلته كريستين عاصي ساقها.
ورغم تحرك الحكومة اللبنانية لفتح ملف قضائي ضد “الإفلات من العقاب”، إلا أن الكاتبة ترى أن هذه الجهود تبقى رمزية، وأن مراسلي غزة سيظلون من دون عدالة حقيقية لسنوات طويلة.

شهداء الحقيقة إلى الأبد

تختتم فاطمة العيساوي مقالها بنداء إنساني عميق: “علينا اليوم أن نقف حزناً على من سقط منهم شهداء للحقيقة، ونحن مدينون لهم بنقلها إلى العالم.”

وتساءل: هل يستطيع أحد منا أن يتحمل ما تحمّلوه؟ أن يغامر بحياته ليُظهر للعالم ما تحاول آلة الحرب إخفاءه؟
لقد فعلها صحافيو غزة — تقول العيساوي — “وكسروا الحصار الإسرائيلي على المعلومة، وسجّلوا أسماءهم في سجل الخلود، لا كمراسلين فحسب، بل كأبطالٍ حملوا الكاميرا كمنشورٍ في وجه الطغيان.”

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير