بين خيامٍ باهتة متعبة، تتكئ على رياح الخريف في الزوايدة وسط قطاع غزة، كانت الحياة تمضي ببطءٍ ثقيل.
أطفال حفاة، وجوه مغبرة، وعيون تائهة تبحث عن شيء يشبه الطفولة التي اختطفها الدخان.
هناك، وسط ضجيج النزوح، وقفت وفاء حجازي، المشرفة التربوية التي رفضت أن يكون الدمار نهاية الحكاية، وقالت لنفسها: “لا بدّ أن يبقى للعلم مكان… حتى لو كان خيمة”.
في يومٍ من تلك الأيام، كانت تتجول بين الخيام، تمسح على رؤوس الأطفال وتسمع أسئلتهم الصغيرة التي لا جواب لها. كان المشهد موجعًا: صغار يتجولون بلا هدف، كأن الحرب نزعت من قلوبهم البوصلة. عندها وُلدت الفكرة — فكرة بسيطة في ظاهرها، عظيمة في أثرها — مدرسة "إنسان".
تقول حجازي "أردت أن أُضمّد جراحهم بالعلم، لا بالدواء، وأن أعيد إليهم شيئًا من الحياة التي سُرقت منهم".
جمعت وفاء حولها عددًا من المعلمين والمعلمات المتطوعين. لم يكن لديهم فصول، ولا سبورات، ولا مقاعد، لكنهم امتلكوا ما هو أثمن: الإيمان بأن الطفل الفلسطيني يستحق أن يتعلم، وأن يضحك، وأن يحلم.
بما توفر من أدوات بسيطة، نُصبت خيمة، وصار فيها صف، وصوت المعلّمة تحوّل إلى منارة، والدفء الذي يسكن قلبها صار دفئًا حقيقيًا في برد النزوح القاسي.
لم تكن “مدرسة إنسان” مجرد مكانٍ للتعليم. كانت مساحة تنفُّس، ومتنفّسًا للحلم، ونافذة على العالم بعد أن ضاقت به الخيام. كان الأطفال فيها يضحكون من جديد، يرسمون شمسًا على الورق، كأنهم يستعيدونها من خلف الغيوم.
تقول حجازي: “اخترت اسم إنسان لأن هذا الطفل قبل أن يكون طالبًا هو إنسان. من حقه أن يتعلم كما من حقه أن يعيش. الاحتلال سرق منه الاثنين، لكننا نعيد بناء ما يمكننا”.
بدأت المدرسة كمبادرة صغيرة في الأول من يونيو 2024، تستقبل الأطفال من سن السادسة حتى الثانية عشرة. كانوا يدرسون اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم، وفق نظام دوامين وثلاثة أيام أسبوعيًا.
ومع وقف إطلاق النار وعودة الحياة إلى غزة، توسعت المدرسة لتستقبل طلابًا من الصف الأول حتى التاسع، من الذكور والإناث، بإشراف كادر تربوي مؤهل، ومرشدين ومعلمات يعملون جميعًا بالتطوع الكامل.
ورغم أن المدرسة معتمدة رسميًا من وزارة التربية والتعليم، فإنها لا تزال تواجه تحديات قاسية: نقص في الخيام والقرطاسية، الحاجة إلى حمامات منفصلة للطلاب والمعلمات، وضيق في المساحة أمام الإقبال الكبير من العائلات التي ترى في “إنسان” طوق نجاة لأطفالها.
“التعليم مجاني تمامًا”، تقول حجازي، “فنحن نعلم أبناء شعبٍ مغلوبٍ على أمره، لا نريد أن نزيد أعباءه، لكننا بحاجة إلى دعمٍ حقيقي حتى نستمر”.
في المساء، حين تهدأ الخيام ويخفت صخب النزوح، تجلس وفاء قرب الأطفال، تنظر إلى دفاترهم الصغيرة وكأنها ترى فيها خارطة طريق إلى الغد.
في تلك اللحظة، تدرك أن ما تفعله أكبر من مجرد تعليم — إنها تزرع الأمل في أرضٍ أنهكها الحصار، وتكتب بالطبشور ما عجزت الحرب عن محوه.