يقدّم الكاتب والإعلامي السوداني عزّ الدين أحمد قراءة نقدية جريئة لأداء الإعلام العربي خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، مبيّنًا أن المشهد الإعلامي العربي — رغم زخمه واتساعه — أصبح أسيرَ الكلام وخصماً على الصورة التي وحدها تملك قدرة التوثيق والخلود.
يؤكد أحمد في مقاله المنشور في صحيفة العربي الجديد أن القضية الفلسطينية في لحظتها الراهنة لا تحتاج إلى “تحليلٍ أكثر” بل إلى “صورةٍ أصدق”، لأن ما يجري في غزة يتجاوز كونَه حدثًا خبريًا إلى أن يكون ملحمة إنسانية يجب أن تُروى بعيون الضحايا لا بأصوات المعلّقين.
الإعلام العربي
ويبدأ الكاتب مقاله بالتأكيد أن حرب الإبادة الجارية على غزة وضعت الإعلام العربي أمام مفترقٍ مصيري: إما أن يكون شاهدًا حقيقيًا على التاريخ، أو مجرد ناقلٍ خافتٍ في جوقة التكرار.
فالمجازر المتواصلة، كما يكتب، لا تشكّل مجرد أحداث عابرة، بل هي “مقتلة ليس يشهدها تاريخُ القضية الفلسطينية فحسب، بل تاريخُ المنطقة برمتها”.
لكنّ السؤال الجوهري الذي يطرحه الكاتب هو: ما الجديد الذي يمكن أن يقدّمه الإعلام العربي اليوم؟ وهل يستطيع أن يتحرّر من القوالب التقليدية ويواكب وعي الجمهور وأدواته الجديدة في تلقّي المعلومة؟
هيمنة التحليل المكرّر
ويرى عزّ الدين أحمد أن تغطية الحرب اعتمدت في معظمها على ما تبثّه كاميرات المراسلين والناشطين الميدانيين، وهو ما ساهم في إيصال الصورة إلى العالم، لكنّ الإعلام العربي سرعان ما انزلق إلى دوامة التحليلات السياسية الرتيبة.
يقول الكاتب: “ما إن تنتهي بعض وسائل الإعلام العربية من الحدث الخبري حتى ندخل في دوائر لا تنتهي من التحليل السياسي مع متحدّثين عديدين لا يضيفون إلى المشاهد أي جديد.”
وبحسبه، فإن المشهد أصبح “مملًّا ومكرّرًا” إلى درجةٍ بات فيها الحديث يغطي على الحقيقة، ويُبعد المتابع عن جوهر المأساة الإنسانية التي يعيشها المواطن في غزة.
رواية إنسانية
ويطرح الكاتب تساؤلاً نقديًا عميقًا: هل يقدّم الإعلام العربي فعلاً ما يحتاجه المشاهد؟
يُجيب ساخرًا بأن كثيرًا من النوافذ الحوارية لم تعد تشرح أو توضح ما يجري، بل تحوّلت إلى مساحات كلامية فارغة.
ويشدّد على أن الإعلام العربي ينقصه “الشرح البسيط” و“التحليل الميداني” الذي يربط المشاهد بالحدث، لا أن يغرقه في نقاشات أكاديمية لا قيمة عملية لها.
ويضيف أن التحدي الحقيقي ليس في “ملء الهواء” أو “تغطية الساعات الطويلة للبث المباشر”، بل في ملء الوعي بمضمونٍ إنساني حقيقي يعكس حياة الناس وصمودهم تحت القصف.
الصحف مرايا مكرّرة
وينتقد أحمد أيضًا الأداء الصحفي المكتوب، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الصحف والمواقع الإخبارية تملأ صفحاتها بتقارير مطوّلة لا تحمل جديدًا سوى الاقتباس من مصادر متشابهة.
ويقول إن هذه المواد غالبًا ما تتكوّن من عبارات مثل “يقول فلان” و“يرى فلان”، لتتحوّل المادة الصحفية إلى استعراض مواقف لا تُضيف إلى الرواية الفلسطينية سوى مزيدٍ من الضجيج.
وبهذا، يرى الكاتب أن الصحافة العربية بحاجة إلى ثورة في أسلوبها التحريري، تستند إلى الميدان والناس لا إلى المكاتب والنصوص الجاهزة.
التحقيقات الاستقصائية
ويُقارن الكاتب بين أداء الإعلام العربي ونظيره الغربي في تغطية حرب غزة.
فالإعلام الغربي، رغم انحيازه الكبير لـ"إسرائيل"، يُجيد فنّ التوثيق والتحقيق، ويعتمد على أدلة ومتابعات ميدانية لا على تكرار الشعارات.
في المقابل، يطرح أحمد سؤالًا مؤلمًا: أين الإعلام العربي من التحقيقات الاستقصائية؟
ولماذا يكتفي بإعادة نشر ما ينتجه الإعلام الغربي؟
إن ضعف الإنتاج العربي المستقل، في رأيه، أفقد الرواية الفلسطينية كثيرًا من زخمها المهني والإنساني، رغم امتلاك العرب عشرات الفضائيات والمواقع التي ترفع شعار “القضية أولاً”.
بطل الرواية الفلسطينية
ويبلغ المقال ذروته حين يؤكد عزّ الدين أحمد أن “مكمن القصة في حرب غزة هو الصورة التي تعبّر عن ذاتها.”
فالصورة — كما يقول — ليست مجرد توثيق بصري، بل شهادة تاريخية تحفظ الذاكرة الجماعية للأمة، وتنقل للعالم ما لا يستطيع الكلام وصفه.
ويختم بقوله: “الكلام يمحوه الكلام، أما الصورة فتظل حاضرة.” ومن هنا، يدعو الإعلام العربي إلى استثمار الصورة بالشكل الصحيح، لتكون وثيقة إثبات على جرائم الحرب الإسرائيلية، وحافظةً لذاكرة الأجيال القادمة، لا مجرد خلفية لتقارير مكتبية أو حوارات متعبة.
ما بعد الصورة
ويخلص الكاتب السوداني عزّ الدين أحمد إلى أن المطلوب اليوم من الإعلام العربي ليس المزيد من البث، بل مزيد من الوعي.
فما يحتاجه الفلسطيني في غزة ليس من يكرّر مأساته بالكلام، بل من يوثّقها بالصورة والرقم والبحث الميداني.
إن حرب غزة، كما يراها، ليست اختبارًا للمقاتلين فقط، بل امتحانًا أخلاقيًا لمصداقية الإعلام العربي أمام تاريخه وجمهوره وضميره.
فحين تصمت السياسة، لا يبقى سوى الصورة لتقول الحقيقة كاملة.