يقدّم الدكتور مصطفى البرغوثي تفكيكًا حادًا لأخطر ركائز الدعاية الإسرائيلية: أسطورة الأمن، مبينا أن “الأمن الإسرائيلي” لم يُستخدم يومًا كحقٍّ طبيعيٍّ لدولةٍ تخشى على حدودها، بل كـذريعة استعمارية شاملة لتبرير الاحتلال والاستيطان والضمّ والإبادة والتجويع، وتحويل الضحية (الشعب الفلسطيني) إلى “خطر أمني” يجب محاصرته أو قتله.
الأخطر — كما يقول في مقاله المنشور على موقع العربي الجديد— أن هذه الرواية لم تبقَ إسرائيلية فقط، بل تبنّتها واشنطن وعواصم أوروبية كأن أمن المحتلّ أهم من أمن الشعب الواقع تحت الاحتلال.
كلمة السر لكل الجرائم
ويفتتح البرغوثي مقاله بالتأكيد أن الرواية الإسرائيلية “من الألف إلى الياء” تقوم على كلمة واحدة: الأمن.
بهذه الكلمة برّرت “إسرائيل” حروبها المتكررة على غزة ولبنان، واغتيالاتها خارج الحدود، واعتقال عشرات الآلاف من الفلسطينيين، واستمرار الاحتلال وترسيخ نظام الأبارتهايد الأسوأ في التاريخ الحديث.
ويشرح أن ما يجري هو قلب كامل للمعادلة: فصاحب الدبابة والطائرة النووية هو “المهدَّد”، واللاجئ المحاصر هو “مصدر الخطر”.
عقيدة استعمارية قديمة
ويربط البرغوثي بين “الأمن الإسرائيلي” والعقلية الاستعمارية الكلاسيكية، ففرنسا قتلت مليون جزائري باسم “أمن الجنود الفرنسيين”، بينما أميركا قصفت فيتنام بالنابالم والعراق باليورانيوم باسم “أمن القوات الأميركية”.
لكن في الحالة الإسرائيلية — يضيف — جرى نزع إنسانية الفلسطينيين بالكامل: صار كلّ سكان غزة، “بمن فيهم الأطفال”، هدفًا مشروعًا، إلى درجة أن الرئيس الأميركي ترامب وصف سبعين ألف شهيد بينهم عشرون ألف طفل بأنهم “حماس”!
هذه — كما يلمّح البرغوثي — ليست زلة لسان بل تكثيف للرواية: إذا كان الطفل الفلسطيني “حماس”، يصبح قتله “إجراءً أمنيًا”.
ويلفت الكاتب إلى مفارقة فاضحة، لا يكاد يخلو بيان أوروبي أو أميركي من عبارة “أمن إسرائيل”. في المقابل لا أحد يذكر أمن الفلسطينيين، رغم أنهم فقدوا — في حرب الإبادة على غزة — 12% من السكان بين شهيد وجريح، ودُمِّر 90% من البيوت والمنشآت، وتعرض الآلاف للإعدامات الميدانية والاعتقال.
ويسأل البرغوثي ضمنيًا: إذا لم يكن هذا شعبًا يحتاج إلى الأمن، فمن يحتاج إذن؟!
تجريد الفلسطينيين من السلاح
وينتقد البرغوثي ضجيج الإعلام الغربي حول “ضرورة تجريد الفلسطينيين من السلاح”، في وقت لا أحد يطالب بنزع سلاح المستوطنين الذين يشنّون هجمات منظمة في الضفة الغربية، ويدمرون القرى ويجبرون نحو 60 قرية وتجمعًا على الرحيل.
هذا الانتقائية — يقول — تكشف حقيقة العقيدة الإسرائيلية: الأمن حق للمستعمِر، وليس حقًا للمستعمَر.
ويذكّر البرغوثي بأن "إسرائيل" لم تكتفِ بفرض مفهومها للأمن على الغرب، بل فرضته على الفلسطينيين أنفسهم عبر اتفاق أوسلو.
وصار المطلوب من السلطة الفلسطينية حماية أمن الاحتلال والمستوطنين، ومن دون أن تملك السلطة القدرة على حماية القرى الفلسطينية من هجمات المستوطنين أو جيش الاحتلال، هذا — كما يقول — جوهر الظلم: أن تُجبَر الضحية على حماية الجلاد!
الأمن ليس عسكريًا فقط
ويتوسع الكاتب في نقطة مهمّة غالبًا ما تُهمل: الأمن الإسرائيلي لا يعني فقط الدبابة والحاجز، بل يعني التحكّم في حياة الفلسطينيين.
لذلك فُرض حصار على غزة لأكثر من 17 عامًا قبل 7 أكتوبر، حتى أصبحت مياهها غير صالحة للشرب، واستولى الاحتلال على 85% من مياه الضفة الغربية لصالح المستوطنات، وصار نصيب المستوطن من المياه 1450 م³ سنويًا مقابل 50 م³ فقط للفلسطيني!
وجرى تقطيع الضفة بألف حاجز لتتحول القرى إلى سجون صغيرة، وكل هذا يُقدَّم للعالم تحت العنوان نفسه: “اعتبارات أمنية”.
ثلاث كذبات إسرائيلية
ويرصد البرغوثي أن حرب الإبادة على غزة كشفت كذب ثلاث ركائز إسرائيلية:
1. أن "إسرائيل" “الضحية” – الجرائم الموثقة، وإجراءات المحكمة الجنائية الدولية، دمغت الاحتلال كجان لا كضحية.
2. أن "إسرائيل" “حاملة القيم الغربية” – صور تجويع غزة ودفن الأحياء تحت الركام أسقطت هذه الأسطورة.
3. أن "إسرائيل" “دولة ديمقراطية” – الأبارتهايد، والتطهير العرقي، والقتل بالجملة كشفوا زيف الادعاء.
لكن ما لم يَسقط — يقول الكاتب — هو الادّعاء الأخطر: “الأمن الإسرائيلي مهدَّد ويجب حمايته”، هذا الادعاء ما زال يُستخدم لستر الإبادة، ويُغطّى دائمًا بذكر “الهولوكوست” لتبرير “هولوكوست جديد في غزة”.
الطريق إلى الأمن الحقيقي
ويختم البرغوثي بفكرة محورية: لا أمن لأحد في هذه المنطقة ما دام الظلم قائمًا، وبمعنى أوضح أمن الفلسطيني يبدأ بإنهاء الاحتلال، وأمن الإسرائيلي — إن كان جادًا — لا يتحقق بالدبابات، بل بإنهاء التطهير العرقي والاستيطان والأبارتهايد.
لكن المنظومة الحاكمة في “إسرائيل” — كما يقول — تُخفي هذه الحقيقة، وتصرّ على أن الأمن يعني فقط “أمن المستعمِر”.