محمد الحلاق.. الطفل الذي علّم الطيور التحليق ثم حلق عاليًا

محمد الحلاق.. الطفل الذي علّم الطيور التحليق ثم حلق عاليًا
محمد الحلاق.. الطفل الذي علّم الطيور التحليق ثم حلق عاليًا

الرسالة نت- خاص

في بلدة الريحية جنوب الخليل، كان ثمة طفلٌ صغير يربّي حلمه كما يربّي الطيور. 

محمد الحلاق، أحد عشر عامًا من النقاء والدهشة، كان يملك عالمًا صغيرًا على سطح بيتٍ متواضع: أقفاصٌ من سلكٍ خفيف، وطيورٌ ملوّنة تناديه بأصواتها كل صباح. 

لم يكن محمد يربّيها فحسب، بل كان يعلّمها الطيران، كما لو أنه يمنحها درسًا في الحرية التي حُرِم منها هو وأقرانه منذ وُلدوا في ظل الاحتلال.

كان يُحدّث طيوره كأنها تفهمه. يقول لها “ارجعي بسرعة، لا تروحي بعيد” فيضحك، ثم يرفع يديه لتطير، ويظلّ يراقبها حتى تختفي خلف التلال. 

كان يرى فيها نفسه: صغيرة، ضعيفة، لكنها تعرف طريق العودة إلى البيت مهما اشتدّ الخطر. لم يكن يعلم أن يومًا سيأتي لن تعود فيه الطيور إليه، بل ستبقى وحدها تبحث عنه بين الغيم.

في مساءٍ خريفيٍ هادئ، كانت البلدة على موعدٍ مع رعبٍ جديد. اقتحمت قوات الاحتلال المكان بعرباتها الصاخبة، فيما كان محمد يلعب كرة القدم مع أصدقائه قرب مدرسة البنات. كان ضوء الغروب يلمع على وجوههم المبتسمة حين دوّى الرصاص.

 هرع الأطفال إلى الأعلى، إلى الشارع القريب، يركضون بخوفٍ غريزيٍ يشبه الطيران المذعور، لكن محمد لم ينجُ. قناصٌ من جيش الاحتلال وجّه بندقيته نحوه، وأطلق النار. رصاصة واحدة اخترقت خاصرته، وأسقطت حلمًا كان يحلّق لتوّه.

يقول والده بهجت الحلاق، بعينين ثقيلتين بالحزن، إن الجندي الذي أطلق النار “ضحك وتفاخر بين زملائه”، بينما كان ابنه الصغير يلفظ أنفاسه الأخيرة في حضن خاله الذي ركض به نحو سيارة الإسعاف. لكن الطريق كان مغلقًا، والوقت أثقل من النجاة. وصل محمد إلى مستشفى يطا بلا نبض، كعصفورٍ توقف جناحاه عن الرفرفة في منتصف السماء.

بعد أيامٍ قليلة، اقتحمت شرطة الاحتلال البلدة من جديد، بحجة التحقيق. فتّشوا، صوّروا، وسألوا، لكن الأب كان يعرف أن العدالة لا تُستعاد في محاكم من قتلوك. قال لهم: “محمد ما كان حامل حجر.. كان حامل حلم صغير وطيور”.

كان محمد متفوّقًا في دراسته، محبًا لكرة القدم، مولعًا بالسماء. قبل أسبوعين من استشهاده، وضع صورته خلفية لهاتف والده وقال له بابتسامةٍ خجولة: “بابا، خلّيها دايمًا هيك.” كأنه كان يكتب وصيته بلغةٍ صامتة لا يفهمها إلا من ودّعوا أبناءهم على عتبة البيت.

اليوم، لم يبقَ من محمد سوى طيوره. تحوم فوق السطح كل صباح، تبحث عن صوته، عن يديه الصغيرتين، عن من كان يطعمها الحلم قبل الحبوب. لكنها حين ترتفع أكثر، تعرف أنه لم يغب. إنه هناك، بين الغيم، يعلّم الطيور من جديد كيف تحلّق دون خوف، لأنه أخيرًا… حلق عاليًا.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير