في خطوة تُنذر بتصعيد جديد في مسار التهويد والاستيطان داخل مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية المحتلة، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن مخطط استيطاني جديد يقضي ببناء عمارتين سكنيتين ومبنى ثالث ذي طابع ديني وتعليمي في أرض سوق الخضراوات المركزي (الحسبة القديمة) وسط المدينة، وهي أرض تتبع رسميًا لبلدية الخليل وتُعد من أبرز المرافق الاقتصادية التاريخية في المدينة.
تفاصيل المشروع
وفقًا للبيان الصادر عن بلدية الخليل، فإن المخطط الذي أُعلن عنه عبر ما تُسمى لجنة التنظيم والبناء التابعة للإدارة المدنية للاحتلال، يتضمن إقامة 63 وحدة سكنية موزعة على عمارتين بارتفاع ستة طوابق فوق الأرض وطابقين للكراجات تحت الأرض.
كما يتضمن المشروع مبنى ثالثًا مكوّنًا من ثلاثة طوابق سيضم صفوفًا تعليمية ومكتبة وكنيسًا يهوديًا، على أن تصل إجمالي مساحة البناء إلى نحو 12,500 متر مربع.
البلدية أوضحت أن الإخطار بالمخطط وصلها رسميًا عبر منسق شؤون الاحتلال في الأراضي الفلسطينية، مشيرة إلى أن تنفيذ هذا المشروع يعني مصادرة أرض عامة تخدم المواطنين وتحويلها إلى مستوطنة مغلقة لصالح المستوطنين في قلب المدينة القديمة.
موقف بلدية الخليل
بلدية الخليل أعلنت رفضها واستنكارها الشديدين لهذا القرار، واعتبرته اعتداءً صارخًا على صلاحياتها وحقوق سكان المدينة، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات قانونية للاعتراض على القرار ضمن المهلة المحددة أمام الجهات القانونية المختصة في المحاكم الإسرائيلية.
كما دعت البلدية المجتمع الدولي ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى التدخل الفوري والعاجل لوقف ما وصفته بـ"الاعتداءات المتكررة على الممتلكات الفلسطينية" في البلدة القديمة، التي أُدرجت عام 2017 على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر.
خلفية تاريخية للموقع
تُعد الحسبة القديمة في الخليل أحد أبرز المرافق التجارية في المدينة، وكانت منذ عقود مركزًا للحياة الاقتصادية اليومية. إلا أن الاحتلال أغلق أجزاء واسعة منها منذ عام 1994 عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين، ما أدى إلى تقسيم المدينة وإقامة حواجز عسكرية تُقيّد حركة الفلسطينيين في قلب الخليل.
منذ ذلك الحين، سعت سلطات الاحتلال إلى توسيع البؤر الاستيطانية داخل الأحياء الفلسطينية القديمة، خصوصًا في المناطق المحيطة بالحرم الإبراهيمي وسوق الخضار. ويُعدّ المخطط الجديد استمرارًا لتلك السياسات التي تهدف إلى تغيير الطابع الديموغرافي والمعماري للمدينة لصالح المستوطنين.
أبعاد قانونية ودولية
من الناحية القانونية، يُشكّل هذا المخطط انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، إذ يُحظر على قوة الاحتلال وفق اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 49) نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها أو إجراء تغييرات دائمة في طابعها العمراني.
منظمات حقوقية فلسطينية ودولية وصفت المخطط بأنه جزء من "هندسة استيطانية ممنهجة" تستخدم أدوات التخطيط العمراني لتوسيع السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، لاسيما في المناطق الحساسة دينيًا وتاريخيًا مثل الخليل.
تداعيات على الأرض
يرى مختصون أن تنفيذ المخطط سيؤدي إلى مصادرة مساحات اقتصادية حيوية كانت تشكل مصدر رزق لعشرات العائلات، وتحويلها إلى منطقة مغلقة لصالح المستوطنين، الأمر الذي سيُفاقم معاناة سكان المدينة ويزيد من القيود الأمنية والعسكرية المفروضة عليهم.
كما أن إدخال مبانٍ استيطانية جديدة في قلب الخليل سيؤدي إلى رفع عدد المستوطنين في المدينة وتعزيز الوجود الأمني الدائم، مما سيُضاعف الاحتكاكات اليومية مع الأهالي.
دعوات للتصدي والمساءلة
البلدية طالبت في بيانها كافة المؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية بـتحمل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، ووقف ما وصفته بـ"الاعتداء المتواصل على التراث والملكية الفلسطينية".
كما دعت منظمة اليونسكو إلى تفعيل قراراتها السابقة لحماية البلدة القديمة باعتبارها موقعًا تراثيًا عالميًا مهددًا، ومطالبة الاحتلال بالوقف الفوري لأي أعمال بناء أو تخطيط في محيط الحسبة القديمة.