أثار تسريب فيديو من معتقل سديه تيمان في صحراء النقب عاصفة من الغضب داخل "إسرائيل" وخارجها، بعدما أظهر مقاطع موثقة لاعتداء جنسي وحشي على أسير فلسطيني داخل أحد السجون العسكرية.
ووفق ما كتبه الصحفي حمزة زوبع في مقاله المنشور بموقع عربي21، فإن الصدمة الكبرى في "إسرائيل" لم تكن من هول الجريمة ذاتها، بل من تسريب المشهد إلى الإعلام، وهو ما عدّه رئيس وزراء الاحتلال المجرم بنيامين نتنياهو "أخطر هجوم إعلامي يواجهه الكيان منذ تأسيسه".
غضبٌ من التسريب
ويقول الكاتب زوبع إن الضجة داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية لم تنشأ عن استنكار لما ارتكبه الجنود، بل عن انكشاف الفضيحة أمام العالم.
فبدلاً من معاقبة الجناة، سمحت سلطات الاحتلال لمرتكبي الجريمة بعقد مؤتمر صحفي علني للتباهي بأفعالهم، مدّعين أنهم “دافعوا عن الوطن”، وسط دعم غير مسبوق من قادتهم العسكريين والسياسيين.
وفي السياق ذاته، نقل الكاتب تصريحات وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي قال خلال زيارته للمعتقل: “هؤلاء الإرهابيون من وحدة النخبة التابعة لحماس يحصلون على الحد الأدنى من الحياة.. بقي أمر واحد وهو إعدامهم.”، في إشارة إلى موقف الحكومة التي تُبرر الجرائم بحق الأسرى الفلسطينيين وتدعو علنًا لتصفيتهم.
صمتٌ عربي وازدواجية فاضحة
في المقابل، يرى زوبع أن الموقف العربي الرسمي بدا أكثر خذلانًا من أي وقت مضى، إذ تسابقت بعض العواصم لتبنّي الرواية الإسرائيلية، متهمة المقاومة الفلسطينية بـ"الإرهاب"، في حين غضّت الطرف عن جرائم الاحتلال اليومية.
ويستشهد الكاتب بموقف ملك الأردن الذي أدان حماس خلال زيارته للبيت الأبيض في شباط/فبراير 2024، بينما تجاهل بعد ذلك المجازر التي أودت بحياة أكثر من ستين ألف فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء، دون أن يصدر عنه أي تصريح يدعم تحقيق العدالة أو محاسبة إسرائيل.
غياب كامل عن الفعل
وانتقد زوبع بشدة عجز جامعة الدول العربية عن التحرك، رغم تعهدها في اجتماع تشرين الثاني/نوفمبر 2023 بتوثيق جرائم الاحتلال ومتابعتها قانونيًا أمام محكمة الجنايات الدولية. غير أن الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط، كما يذكر الكاتب، اكتفى بتصريحات باهتة وتغريدات لا تتجاوز بضع دقائق من وقته، في حين يتقاضى راتبًا شهريًا يقارب 50 ألف دولار.
وأوضح أن تصريحات أبو الغيط غالبًا ما جاءت لتبرئة الأنظمة وتبرير التطبيع، بينما تجاهل جرائم الإبادة في غزة ومجازر السودان ودور بعض القوى الإقليمية فيها.
تطبيعٌ رغم الدماء
ويؤكد الكاتب أن الأنظمة الخليجية ومصر والأردن لم تكتفِ بالصمت، بل قدمت دعمًا سياسيًا وعسكريًا غير مباشر لـ"إسرائيل" في أثناء العدوان، إذ فتحت قنوات تنسيق وتبادل معلومات، بل واستضافت مسؤولين إسرائيليين في زيارات علنية وسرية “تحت عنوان السلام”. ويشير زوبع إلى أن تلك العواصم استقبلت مجرمي حرب صهاينة مثل بنيامين نتنياهو وأرييل شارون وبنيامين بن إليعازر، الذي وثّق الإعلام الإسرائيلي نفسه ضلوعه في دفن 250 أسيرًا مصريًا أحياء عام 1967، ومع ذلك جرى تكريمه لاحقًا كوزير في حكومة الاحتلال وزار القاهرة مرارًا.
جرائم قديمة تتجدد
وبحسب الكاتب، فإن جريمة سديه تيمان ليست سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الجرائم الإسرائيلية الممتدة منذ النكبة، مرورا بمجازر قانا وجنين وغزة، وحتى جرائم الإبادة التي توثّقها العدسات يوميًا.
ويضيف زوبع أن ما يجري اليوم في السجون والمعتقلات هو استمرار لمنهج واحد يقوم على إذلال الفلسطينيين وانتهاك إنسانيتهم، في ظل تواطؤ دولي وصمت عربي رسمي.
الاحتلال يتوحش.. والعرب يغطّون
ويخلص زوبع إلى أن ما يجري في معتقل سديه تيمان لا يمكن فصله عن سياسة الاحتلال القائمة على الإبادة والترويع، ولا عن تواطؤ النخب الرسمية العربية التي تهاجم المقاومة وتدافع عن الجلاد.
فبينما تُدفن الحقائق في رمال النقب، يواصل الاحتلال ارتكاب جرائمه تحت غطاء سياسي وإعلامي واسع، في حين لا تزال الأنظمة منشغلة بتجميل علاقاتها مع تل أبيب بدل الدفاع عن الضحايا.
ويؤكد الكاتب في ختام مقاله أن “جريمة سديه تيمان ستبقى شاهدًا دامغًا على وحشية المحتل وخيانة الصامتين”، مشددًا على أن العدالة لا تتحقق بالتصريحات، بل بملاحقة القتلة في المحاكم الدولية، وفضح كل من يغطي على جرائمهم أو يبررها باسم الواقعية أو السلام.