تسعى إلى جعلهم رموزًا وطنية

(إسرائيل) تُكرِّم جنودًا اغتصبوا أسرى فلسطينيين

خاص- الرسالة نت

في مشهد لا يمكن أن يحدث إلا في أكثر جمهوريات الوقاحة خيالًا، قرر 46 عضو كنيست ووزيرًا ونائبَ وزيرٍ (إسرائيلي) أن يوقّعوا رسالة جماعية إلى رئيسهم إسحاق هرتسوغ، يطالبونه فيها بالعفو عن مجموعة من الجنود المتهمين باغتصاب أسير فلسطيني.

نعم، لا مزاح هنا: رسالة رسمية، ممهورة بتواقيع من يُفترض أنهم "قادة الدولة"، للدفاع عن مرتكبي جريمة اغتصاب تحت الاحتلال، وكأنهم فرقة كشافة أسيء فهمها في رحلة مدرسية.

الرسالة التي بادر إليها عضو الكنيست أوشر شاكيد، جاءت بلغةٍ تحاول أن تُلبس الجريمة ثوب البطولة، وتحوّل المغتصبين إلى "مقاتلين شجعان خُذلوا من قيادتهم".

لقد بدا الأمر كأنّ اليمين (الإسرائيلي) يبحث عن "شهداء من نوع خاص"، شهداء الشرف المفقود، ليضيفهم إلى قائمة أبطال الأساطير القومية الجديدة، حيث يتحوّل التعذيب إلى واجب واغتصاب الأسرى إلى فعل وطني سامٍ.

القناة 14 اليمينية، التي تُتقن فن تحويل الجرائم إلى ملاحم، أطلقت حملة دعائية تمجّد المتهمين وتبكي عليهم كما لو كانوا ضحايا نظام جائر. أما منظمة "حونينو" فذهبت أبعد، واتهمت القضاء العسكري بالخضوع "للضغوط الدولية"، وكأن مطالبة العالم بالتحقيق في الاغتصاب هي مؤامرة على "الروح (الإسرائيلية) الأصيلة".

فجأة، صار الاغتصاب ملفًا سياسيًا، والجنود ضحايا لـ"تشويه سمعة الجيش" الذي لا يتوقف أصلًا عن ابتكار طرق جديدة للانتهاك.

ولأن الكوميديا لا تكتمل دون مشهد العبث، عقد المتهمون مؤتمرًا صحفيًا أمام المحكمة العليا في القدس، ملثّمين كقطاع طرق من فيلم قديم، يشتكون من "الظلم" الواقع عليهم. وقفوا أمام الكاميرات يطالبون بوقف محاكمتهم، بينما يصفق لهم جمهور من المتعاطفين الذين رأوا فيهم "رمزًا للوطنية".

ولكن في ذات السياق يبدو أن في (إسرائيل) اليوم معسكرين: معسكر يرى في الاغتصاب عملًا وطنيًا، وآخر يراه "غلطة تكتيكية في التوقيت الإعلامي".

المدعية العسكرية العامة التي حاولت – على استحياء – التعامل مع القضية، أُقيلت من منصبها بعد أن اتُهمت بالتقاعس، لتتحول القضية كلها إلى سيرك سياسي.

أما (حكومة إسرائيل) فواصلت دورها المفضل: الصمت، أو بالأحرى، التواطؤ المكسوّ بخطابات "أمن الدولة" و"تضحيات الجنود". في هذه المسرحية، لم يعد مهمًا ما فعله الجنود، بل كيف يمكن تسويقه كإنجاز أخلاقي.

تقول "الغارديان" إن هذه الفضيحة كشفت أزمة عميقة في النظام القضائي (الإسرائيلي). لكنها في الحقيقة كشفت شيئًا أبسط: أن هذا النظام لم يمرض اليوم، بل وُلد مشوّهًا منذ قرر أن الاحتلال يمكن أن يكون قانونيًا، وأن الكرامة الإنسانية قابلة للتفاوض.

والآن فقط، بعد أن رفع اليمين (الإسرائيلي) المغتصِبين إلى مرتبة "الأبطال"، يمكننا القول إن (إسرائيل) نجحت أخيرًا في اختراع تعريف جديد للوطنية: أن تعتدي، وتُكرّم على اعتدائك، وتجد من يصفق لك لأنك "أديت واجبك".

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير