تبكي السيدة هاجر جاسر وهي تحكي عن يوم اعتقال ولديها، يحيى وإسماعيل، أو هكذا تعتقد؛ فلا خبر أكيد لديها عن اعتقالهما أو استشهادهما.
تقول وهي تمسح دموعها: «أصعب شيء هو الانتظار… فقدت الاتصال بهما يوم ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٤، وما زلت منذ ذلك الوقت أنتظر».
تبدلت حياتها تماماً منذ ذلك اليوم، تقول هاجر: «ابني الكبير يحيى، عمره ٢٢ سنة، وشقيقه البالغ ١٩ سنة؛ والذي حرم من دخول امتحانات الثانوية العامة، وحرمت أنا كل شعور بالفرح بفقدهما».
إسماعيل مصاب نتيجة قصف إحدى المدارس التي كانت تؤوي العائلة بعد هدم منزلهم. تقول الأم: «الجزء الأيمن كله من جسمه مليء بالشظايا، وقد اعتقل على هذه الحالة، ولا أدري ماذا حل به وبشقيقه».
تروي هاجر تفاصيل اللحظات الأخيرة: «كنت قد سبقتهما مع ما تبقى من أولادي إلى الجنوب، كانوا خائفين من الاعتقال عند الحاجز، لكنهما قررا اللحاق بي حينما اشتد القصف في الشمال. كان ذلك يوم ٢٦ أكتوبر. ومنذ وصولهما إلى أحد الحواجز، أغلق الهاتف، ثم انقطع الاتصال تماماً، ولم أعرف عنهم شيئاً منذ تلك اللحظة».
وتضيف وهي تكاد تخنقها الدموع: «أركض كلما سمعت عن معتقلين خرجوا من سجون سيدي تيمان، وكلي أمل أن أجد ابنيَّ، ثم أعود وعيوني مليئة بالدموع والأسى، لكن قلبي لا يزال يحمل الكثير من الألم».
قصة هاجر جاسر ليست مجرد حكاية انتظار، بل شهادة على المعاناة الإنسانية العميقة التي يعيشها آلاف الفلسطينيين في غزة، الذين فقدوا أحبائهم أو تم اقتلاعهم من حياتهم فجأة، وسط واقع مليء بالخوف والقلق وانعدام الأمان.
في هذا الواقع القاسي، يتحول الانتظار إلى مأساة يومية، تنتظر الأم المكلومة كل مكالمة، كل خبر، أي إشارة قد تعيد إليها فلذات كبدها. ومع ذلك، رغم الألم والفقد، تبقى الأمل خيطاً رفيعاً يربطها بولديها، وتتمسك به وسط الظلام.
هذه القصة، التي تحمل صدى الصدمات النفسية والجسدية لأطفال وعائلات غزة، تبرز بشاعة ما فعله الاحتلال من ألم مركب متشعب، خصوصاً العائلات التي فقدت مأواها وأطفالها في لحظات واحدة.
ولكن تبقى السيدة هاجر جاسر رمزاً للألم والصمود معاً، كغيرها من أمهات غزة اللواتي لا يجدن مواساة لهن إلا بالانتظار المؤلم، والأمل المعلق على خيط رفيع بين الحياة والفقد.