"يارب ما تمطر"، هكذا يبدأ النازحون يومهم في غزة، بين خوف من المطر وقلق من برد الشتاء القادم. مرّت على حرب الإبادة ما يقارب السنتين، وما زال آلاف العائلات يواجهون الشتاء في خيام متهالكة تكاد تنهار من شدة الرطوبة.
الأرضية الموحلة تتسلل إليها الرطوبة، والبطانيات الرقيقة لا تكفي لتقي الأطفال والنساء وكبار السن برد الشتاء القادم.
في مخيمات النازحين، تتكرر الحياة اليومية بنفس القسوة؛ فمواقد الفحم والحطب القليلة لا تقي من البرد، والمياه شحيحة، والخيام مهترئة من الرطوبة والزحام، ليعيش النازحون كل يوم بين القلق على صحتهم وأمنهم الغذائي.
أم سامي، التي فقدت بيتها بالكامل في الحرب شمال غزة، تحاول طهي الطعام فوق موقد فحم مهترئ، وتمسك بطبق صغير لتحمي ما تبقى من أغراضها تقول لـ"الرسالة": "كل يوم أصحى وأقول: يا رب ما تمطر اليوم… الخيمة لا تتحمل المطر، ونحن لا نتحمل البرد".
أما أبو يوسف، فيجلس مع أبنائه الثلاثة داخل خيمة في دير البلح وسط قطاع غزة، محاولًا تدفئتهم فوق بطانية رقيقة، بينما الأرضية الموحلة تخترق أحذيتهم وأرجلهم، ويزداد البرد حدة كل ليلة: "أشعر بالعجز… كل شيء حولنا دايب، وكل شيء نحتاجه غير موجود. لو نزل المطر غداً، لا أعرف من سيبقى على قيد الحياة، هاي تاني سنة إلنا في الخيام".
أما أم هناء نازحة في دير البلح وسط القطاع تتحدث عن القلق الدائم من الأمراض الشتوية: "ابني الصغير 3 سنوات كبرهم في الحرب، يسعل كل يوم… لا دواء، لا كهرباء… لا شيء يمكنه حمايته، حتى ملابسنا كلها مهترئة وكل شيء غالي".
الأطفال يلعبون بين الوحل والرطوبة، غير مدركين للخطر القادم، في حين تحمل النسوة الأطفال ويغسلن الملابس على الأرض الموحلة، ويحاولن طهي الطعام في ظروف شبه مستحيلة. الشباب يتحركون بين الخيام الممزقة لإصلاح ما يمكن إصلاحه قبل قدوم المنخفض الجوي.
ومع اقتراب المنخفض، يزداد الخوف والقلق، فيسعى النازحون إلى تأمين خيامهم قدر الإمكان؛ البطانيات تُجمع في أكياس لحمايتها من البلل، وأرضيات الخيام تُغطى بعوازل بسيطة لتجنب الرطوبة، ويبتعد الجميع عن السكن في مناطق تجمع المياه، كما يتجنبون أي وسائل تدفئة خطرة داخل الخيام خشية الحوادث.
والليل يطول على المخيمات، ويخفي الهدوء صراخ الخوف. كل حركة صغيرة داخل الخيمة تحمل صراعًا يوميًا للبقاء على قيد الحياة، بين برد الشتاء وأثر الحرب على الخيام المتهالكة.
فالشتاء هذا العام ليس مجرد فصل، بل اختبار يومي للبقاء، صراع صامت مع الطبيعة وآثار حرب الإبادة، دون رحمة أو مهرب.
وكانت بلدية غزة قد كشفت أن أكثر من 90% من الخيام متهالكة لم تعد صالحة للاستخدام، محذرة من معاناة حقيقية يواجهها النازحون إذا لم تدخل كرفانات وخيام جديدة لتوفير مأوى آمن قبل قدوم الشتاء.
وتظل المخيمات شاهدة على قسوة الحياة تحت الخيام الممزقة، وبين الأرض الموحلة التي باتت موطن آلاف العائلات، تحت تهديد البرد والرطوبة ومنخفضات الشتاء القادمة.