في ظل شتاء قاسٍ ضرب قطاع غزة خلال الأيام الماضية، تتكشف ملامح واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون منذ عقود، بعد أن اجتمعت المنخفضات الجوية، وانعدام الأمن الغذائي، وغياب المأوى، في مشهد يهدد حياة أكثر من مليوني إنسان ما زالوا محاصرين في القطاع.
فقد حذّرت الأمم المتحدة من أن 96% من سكان غزة يواجهون مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، في مؤشر وصفته المنظمة بأنه الأخطر منذ بدء الحرب، مشددة على أن ملايين الفلسطينيين يحتاجون إلى مساعدات عاجلة للوصول إلى الجوعى قبل فوات الأوان.
المنخفضات تقضي على آخر مأوى للنازحين
وجاء منخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح قوية ليضيف كارثة جديدة على كارثة مستمرة، حيث غرقت عشرات الآلاف من الخيام التي تؤوي أكثر من 1.5 مليون نازح بحسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 93% من الخيام لم تعد صالحة للسكن قبل المنخفض الأخير، إذ تآكلت بفعل المطر والحرائق وشدة الاستخدام. ومع غرق معظمها، لم يتبق للنازحين أي مأوى بديل، لا سيما أن الاحتلال
دمّر خلال العامين الماضيين 90% من البنى التحتية المدنية في غزة، مقدَّرةً خسائرها الأولية بحوالي 70 مليار دولار.
وتتوزع الخيام المتهالكة على مناطق مكتظة في وسط وجنوب القطاع، وتحوّلت مع الفيضانات إلى برك من الطين والمياه الراكدة، ما أدى إلى تدمير ما تبقى من مقتنيات الأسر النازحة، وزاد من احتمالات انتشار الأمراض والأوبئة في ظل غياب شبه كامل للمياه النظيفة والصرف الصحي.
وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، إن الفلسطينيين في غزة "يعانون من البرد القارس بعد الأمطار الأخيرة، ويزداد الإحباط مع ارتفاع منسوب الفيضانات وتدمير ما تبقى لهم من ممتلكات شحيحة"، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة تتحرك لتقديم المساعدة "لكن الحاجة أكبر بكثير".
غذاء غير متوفر.. وتكايا تحاول حماية السكان من الجوع
وفي الوقت الذي تتساقط فيه الخيام فوق رؤوس النازحين، يعيش سكان القطاع أسوأ أزمة غذاء في تاريخ غزة، حيث أكدت الأمم المتحدة أن مستوى انعدام الأمن الغذائي وصل إلى مرحلة الكارثة، وهو أعلى مستوى يُسجل عالميًا منذ بدء تصنيف هذه الدرجة.
ورغم دخول بعض الشاحنات عبر المعابر، فإن الكميات تبقى قليلة جدًا مقارنة بما يحتاجه السكان، خصوصًا مع اتساع دائرة الفقر التي بلغت –وفق البنك الدولي– نحو 100%، فيما وصلت البطالة إلى أكثر من 80%.
ومع غياب مصادر الدخل وانعدام القدرة على شراء الغذاء، باتت التكايا الشعبية والمبادرات المحلية هي الملاذ الأساسي لغالبية السكان. تنتشر التكايا في معظم مناطق القطاع، وتقدم وجبات بسيطة من الخبز والعدس والأرز، بينما تقف آلاف الأسر في طوابير طويلة تمتد لساعات بانتظار حصتها اليومية.
وتواجه هذه التكايا صعوبات كبيرة في توفير المواد الأساسية نتيجة شحّ الإمدادات وقيود الاحتلال على إدخال الدقيق والزيت والبقوليات، مما يهدد بتوقفها في أي لحظة. وتقول فرق الإغاثة إن بعض المناطق لا يصلها الغذاء لأيام كاملة، فيما يلجأ السكان إلى جمع الأعشاب أو تقاسم وجبة صغيرة بين عدة عائلات.
مساعدات لا تصل.. وقيود متواصلة
ورغم النداءات الدولية، لا تزال إسرائيل تفرض قيودًا كبيرة على دخول المساعدات. ودعا فليتشر إلى "رفع جميع القيود بشكل عاجل للسماح بإيصال المزيد من الإغاثة"، مؤكدًا أن التأخير يعني "خسارة مزيد من الأرواح".
وفي السياق ذاته، أعلنت الأمم المتحدة تخصيص 18 مليون دولار لدعم العمليات الإنسانية الطارئة، فيما زار وفد أممي عددًا من المستشفيات ومخيمات النزوح للاطلاع على الظروف المأساوية التي يعيشها السكان، وعلى الاحتياجات العاجلة للقطاع الصحي المنهار.
بين الحرب والشتاء.. كارثة لا تنتهي
وكان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي قد أوقف حربًا خلفت أكثر من 69 ألف شهيد وما يزيد على 170 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء. لكن القصف والخرق المستمر للاتفاق خلال الأسابيع اللاحقة أدى إلى سقوط مزيد من الضحايا، وفاقم أوضاع النازحين الذين وجدوا أنفسهم بلا مأوى، ولا غذاء، ولا مياه، ولا خدمات.
وبين خيام تغرق، وأطفال يرتجفون بردًا، ومرضى بلا دواء، وملايين مهددين بالجوع، تبدو غزة اليوم أمام مشهد كارثي غير مسبوق، لا يمكن معالجته دون تدفق واسع وسريع للمساعدات، ووقف القيود التي تمنع وصول الإغاثة، وإيجاد حلول عاجلة لمئات آلاف العائلات التي فقدت كل شيء.