في واحدة من أخطر الإشارات على الانهيار الصحي في قطاع غزة، كشف مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، عن انتشار غير مسبوق لمرض الأنيميا (فقر الدم) بين الأطفال، حيث وصلت نسب الإصابة إلى 82% بين الرضع دون عامهم الأول، وهي نسبة لم تسجَّل في أي منطقة منكوبة في العالم خلال العقود الأخيرة. هذا الرقم الصادم لا يعكس أزمة صحية فحسب، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع لمشهد متكامل من استهداف الأطفال الفلسطينيين ومحاولة قطع النسل عبر حرب تتجاوز القتل المباشر إلى القتل البطيء.
أطفال يولدون بلا غذاء.. وأمهات بلا دواء
يشير البرش إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يمنع دخول أدوية الطفولة الأساسية، بما فيها عناصر التغذية العلاجية اللازمة للرضع والحوامل، الأمر الذي يترك الأطفال بلا أبسط مقومات النمو. ومع تراجع دخول الحليب الصناعي وغياب الغذاء المتوازن، أصبح فقر الدم حالة عامة تحاصر معظم المواليد الجدد في القطاع.
وتؤكد وزارة الصحة أن 156 حالة تشوّه سجلت في غزة منذ بداية الحرب، وهي نسبة مرتفعة جدًا مقارنة بعدد الولادات في ظروف طبيعية. هذا الارتفاع يرتبط مباشرة ببيئة الحرب: سوء التغذية الشديد، غياب الرعاية الطبية، التلوث، والخوف المزمن الذي يلاحق الأمهات الحوامل.
كما شهد القطاع انخفاضًا بنسبة 40% في عدد المواليد مقارنة بما قبل الحرب، في دلالة قوية على حجم الخطر الذي يهدد استمرار النسل الفلسطيني في ظل الظروف الحالية. هذه الأرقام تتقاطع مع تحذيرات أطباء ومختصين يرون في هذا التراجع مؤشرًا على “ضربة ديموغرافية” تستهدف مستقبل الفلسطينيين، سواء عبر قتل أطفالهم أو دفع الأمهات إلى الإحجام عن الحمل.
هندسة الإبادة الصحية.. هدفها “ولادة جيل مشوه”
مصطلح “هندسة الإبادة” الذي استخدمه البرش ليس مبالغة لغوية، بل توصيف استراتيجي لسياسات الاحتلال التي تتجاوز الحرب العسكرية إلى حرب بيولوجية – اجتماعية تهدف لخلق جيل ضعيف، مريض، ومشوّه صحيًا نتيجة انعدام الدواء والغذاء والمأوى.
فالاحتلال لا يكتفي بتدمير المستشفيات والمراكز الصحية وبمنع دخول الأجهزة الطبية، بل يستهدف بشكل مباشر المنظومة التناسلية والصحية للسكان:
• يمنع دخول الفيتامينات الأساسية للحوامل.
• يعيق وصول المركبات الغذائية للرضع.
• يضرب بنية المستشفيات ويخرج 90% من قدراتها عن الخدمة.
• يفرض مجاعة متعمدة تسببت بوفاة أطفال حديثي الولادة في شمال القطاع.
هذا الاستهداف المنهجي دفع مختصين إلى الحديث عن محاولة واضحة لـ “قطع النسل الفلسطيني” عبر إضعاف جينات النمو وخلق جيل كامل يعاني أمراضًا مزمنة وتشوهات خلقية ونقص تغذية خطير.
أرقام حرب تحاصر الطفولة
منذ بدء الحرب على القطاع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تركت آلة القصف والقتل والتجويع أثرًا مدمرًا على الأطفال والأمهات. وبحسب بيانات فلسطينية رسمية، فقد خلّفت الحرب أكثر من 239 ألف شهيد وجريح، معظمهم نساء وأطفال، فيما لا يزال أكثر من 11 ألف مفقود تحت الأنقاض أو مصيرهم مجهول.
وبالإضافة إلى القتل المباشر، تم تسجيل آلاف الإصابات التي خلّفت إعاقات دائمة بين الأطفال، نتيجة القصف بالمتفجرات الثقيلة أو بسبب فقدان الأطراف أو الشلل. وتصف مؤسسات حقوقية هذا الوضع بأنه “مجزرة مستقبلية”، إذ يُقذف بأطفال غزة إلى حياة طويلة من الألم والعجز دون دعم طبي أو نفسي.
أمراض الحرب.. وبيئة بلا غذاء ولا مأوى
إلى جانب الأنيميا، يعيش أطفال غزة في بيئة صحية تعد الأخطر عالميًا: خيام غارقة في مياه الأمطار، طين، مرض، وجوع. ومع كل منخفض جوي، تغرق عشرات آلاف الخيام التي تؤوي النازحين، مخلفة مأساة جديدة تمتد إلى الأطفال الذين يواجهون البرد دون ملابس شتوية، والمطر دون سقف، والجوع دون غذاء.
ومع استمرار الاحتلال في منع إدخال بدائل الإيواء كالخيام الجديدة والبيوت المتنقلة، تضاعفت الكارثة الإنسانية. فقد قدّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 93% من الخيام لم تعد صالحة للسكن، ومع غرق معظمها مؤخراً لم يتبق للنازحين أي مكان بديل للإيواء.
ويؤدي هذا الواقع إلى تدهور مناعة الأطفال وانتشار أمراض مثل الالتهابات الرئوية، والإسهال الحاد، والطفح الجلدي، وهي أمراض قاتلة عندما تُصيب أطفالًا يعانون من سوء تغذية شديد.
مجاعة معلنة.. و100% فقر
تشير بيانات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر في غزة اقتربت من 100%، فيما تتجاوز البطالة 80%. وفي ظل غياب الأمن الغذائي، يعتمد معظم سكان القطاع على التكايا والمطابخ الخيرية ووجبات الإغاثة المحدودة التي لا تكفي لسد الرمق، ناهيك عن تلبية احتياجات الأطفال للنمو.
كما أعلنت الأمم المتحدة أن 96% من سكان غزة يواجهون مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي، وهي المرة الأولى التي يصل فيها أي مجتمع بشري إلى هذا المستوى في تاريخ تصنيف الأمن الغذائي الأممي.
جيلٌ على حافة الانقراض الصحي
المشهد في غزة يتجاوز حدود الحرب التقليدية. فالأرقام التي تتحدث عن الأنيميا، التشوهات، انخفاض المواليد، القتل، وبتر الأطراف، ليست مجرد تفاصيل. إنها ملامح واضحة لمخطط يهدف إلى كسر القدرة البيولوجية للفلسطينيين على البقاء والتكاثر، وتحويل الجيل القادم إلى جيل يحمل آثار حرب لن تنتهي بانتهاء القصف.
إن ما يجري ليس “أزمة إنسانية” كما يصفها البعض، بل عملية منظمة لإبادة جيل كامل، وسط صمت دولي يشرعن استمرار الكارثة.