تحت الأرض وفي سجون سرية… شهادة طبيب من غزة يفتح باب العتمة على تفاصيل اعتقاله من مستشفى الشفاء

تحت الأرض وفي سجون سرية… شهادة طبيب من غزة يفتح باب العتمة على تفاصيل اعتقاله من مستشفى الشفاء
تحت الأرض وفي سجون سرية… شهادة طبيب من غزة يفتح باب العتمة على تفاصيل اعتقاله من مستشفى الشفاء

الرسالة نت- متابعة

لم يكن الطبيب الفلسطيني مؤنس محيسن يتخيّل أن تنتهي ساعات عمله في مستشفى الشفاء باعتقال سيقوده إلى قاعٍ آخر لسادية الاحتلال. تسعة عشر شهرًا قضاها في سجون إسرائيلية يصفها بأنها “سرّية”، سجون لا يُعرف لها باب، ولا يتسرب منها سوى صوت الجلاد وأنين من نجا.

يروي محيسن أن اللحظات الأولى بعد اعتقاله كانت الأكثر وحشية، لحظات يقول إنها ستبقى معلّقة في ذاكرته مثل جرح مفتوح. “من عصر يوم الاعتقال حتى اليوم التالي لم يتوقف الضرب. كنا صائمين، لم نأكل منذ يومين، ولم يميّزوا بين طبيب أو مسن أو مريض”. بعض أفراد الطواقم الطبية، كما يقول، تعرّضوا لاعتداءات جنسية في الميدان، ويصف ذلك بأنه “جرح لن يندمل أبدًا”.

بعد ساعات الرعب تلك، نُقل مع معتقلين آخرين إلى سجون يصفها بأنها “غوانتنامو مصغّر”. 

عيون معصوبة ليلًا ونهارًا، صمت مفروض بالقوة، قيود لا تُفك، كلاب تُطلق على الأجساد لتمزيقها، وصعق كهربائي يدوم خمس دقائق متواصلة حتى يفقد المعتقل وعيه. 

“لم يرحموا أحدًا”، يقول، “الطبيب، المهندس، الوزير، المسن… بعض الأطباء ماتوا تحت التعذيب”.

ويكشف محيسن عن مرحلة سماها “التجويع المخطّط”، حيث تُمنح للمعتقلين كميات صغيرة من الطعام تبقيهم على حافة الحياة. كثيرون كانوا يُغمى عليهم من شدة الجوع.

أما الأمراض الجلدية التي تفشت بين المعتقلين فكانت، كما يروي، تمزق الجلد وتترك دمامل عميقة، بينما كان المنع التام للعلاج جزءًا من المشهد. “كانوا يريدون أن نهلك ببطء”، يقول الطبيب بمرارة واضحة.

وفي تلك العتمة، لم يكن هناك خبر واحد عن غزة. “بقينا في عزلة كاملة. لا نعرف إن كانت عائلاتنا على قيد الحياة أم لا. كنا نشعر أننا مدفونون أحياء”.

يعود محيسن إلى الأيام التي سبقت اعتقاله، حين اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الشفاء في مارس/آذار 2024. يصف اللحظة بأنها “أشد أيام حياته رعبًا”. المستشفى كان يغصّ بالنازحين والمرضى والأطباء، وفجأة تحوّل إلى ساحة نار.

 “أطلقوا الرصاص والقذائف داخل المبنى. ثم قالوا إنهم سيسمحون للطواقم الطبية بالخروج، لكن ما حدث كان العكس. أوقفونا، جردونا من ملابسنا، عصّبوا أعيننا، قيّدونا… ومنذ اللحظة الأولى بدأ الضرب وإطلاق الكلاب”.

ما قاله الطبيب يتقاطع مع ما كشفته صحيفة بريطانية قبل أيام عن سجن تحت الأرض يُعرف باسم “راكيفيت”، يحتجز فيه عشرات الفلسطينيين من غزة في ظروف وصفتها منظمات حقوقية بأنها “قاسية وغير إنسانية”. 

سجناء تحدثوا عن ضرب متواصل، كلاب بكمامات معدنية تهاجم الأجساد، حراس يدوسون المعتقلين، وحرمان ممنهج من العلاج والطعام.

تشكل قصة محيسن نافذة تُفتح على عالم كامل من الألم الممنهج، عالم يصرّ على البقاء تحت الأرض. لكن الطبيب الذي خرج من هذا الجحيم، لا يزال يعتقد أن أصعب ما مرّ به لم يكن التعذيب ذاته، بل الشعور بأنه مختفٍ، غائب، ومقطوع عن الحياة و كأن العالم توقف.