في يومٍ يُفترض أن يسوده الهدوء، ذلك الذي بُني على ما سُمِّي "اتفاق وقف إطلاق النار"، اخترقه الاحتلال للمرة 394. فتحت الطائرات حممها من جديد، وداست ما تبقّى من الاتفاق، ليرتقي 40 شهيدًا في أماكن متفرقة من قطاع غزة.
في حي الزيتون، حيث يعيش النازحون فوق أملٍ هشّ وتحت خوفٍ كثيف، انهار المبنى الذي لجأوا إليه. فجأةً شقّ صاروخ السماء، فسقط على هذا الصدر الآمن، فمزّقه بلا ذنب. خمسة شهداء من عائلة زكريا عزام، عائلة كاملة مُحيت من السجل المدني ومن الوجود. ترك الاحتلال خلفه مقعدًا صغيرًا فارغًا، وفستان طفلة لن يرتديه أحد.
وفي الشجاعية، وفي غرب خان يونس، تتكرر الحكاية ذاتها: صواريخ تُسقط أجسادًا تتحول إلى أرقام تُقرأ ببرود على موجات الإذاعة العبرية.
هناك، يزعم مسؤولون في الاحتلال أن الهجمات جاءت "ردًا على إطلاق نار". وهنا، في غزة، يلتقط المسعفون الأطراف المحروقة للأطفال ويجمعون بقايا العائلات من تحت الركام. بين رواياتهم وحقائق دمنا مسافة لا يختصرها إلا الجرح.
روّج الاحتلال أن القصف استهدف "اجتماعًا لقيادات" من المقاومة؛ قائد كتيبة، ونائب قائد منطقة، ورئيس الوحدة البحرية. لكن الحقيقة كانت تحت التراب: أمّ تضم أطفالها الخمسة، أب فقد كل شيء، وجيران خرجوا ليجدوا حارتهم بلا أصوات.
لو كان القصف على اجتماع، فلماذا امتلأت المشرحة بحفاضات محترقة ودفاتر مدرسية؟
مساء أمس لم يكن مجرد "تطور أمني"، بل صفحة جديدة من الغدر تضاف إلى سجل الاحتلال الطويل.
خلال أربع ساعات فقط، من الثالثة حتى السابعة مساءً، ارتقت خمسة وعشرون روحًا: أربعة عشر في مدينة غزة، وأحد عشر في الجنوب.
غزة الليلة الماضية أطفأت أنوارها لتبكي بصمت. تُحصي أسماء الشهداء، ثم تكتب أسماء جديدة على الجدران المتصدّعة. وفي الوقت ذاته، يظهر المتحدث العسكري للاحتلال أمام الكاميرات ليصوغ رواية جديدة يجمّل بها الدم ويغطي الجريمة، محاولًا إقناع العالم بأن الأطفال الذين دُفنوا الليلة كانوا "خطرًا أمنيًا".
هذه صورة اليوم: سماء مكسورة، بيوت مبعثرة، رائحة بارود، وجثامين لم تتسع لها المشافي.
وغزة، رغم الجرح، تفتح عينيها كل صباح لتشهد على خيانة العالم وصمت الاتفاقات… وعلى كذب الاحتلال الذي لا يلتزم إلا بالحرب.