اليوم أعلنت مؤسسة غزة الإنسانية عن مغادرتها قطاع غزة، تاركةً عشرات الضحايا، ومخلّفةً وراءها أسئلةً كبرى حول سلامة المدنيين، وشرعية نموذجها الإغاثي، ومصير من سقطوا على أبواب مراكز توزيعها.
أبو ثائر علوان يقف على ركام بيتٍ لم يبقَ منه إلا بابٌ صدئ. يرفع رأسه نحو السماء الرمادية ويقول: «لن ننسى… لن ننسى الذين عادوا بدمائهم بدل الخبز». كان ابنه أحد الذين ساروا نحو نقطة توزيع تابعة للمؤسسة، قبل أن يعود محمولًا على الأكتاف.
«لقد أطلق الجنود الأمريكان النار عليه؛ جميع من كانوا برفقة ابني أكدوا لي ذلك»، يضيف أبو ثائر، الذي لم يكن يعرف أن مشوار البحث عن كيس دقيق سينتهي في ثلاجة المستشفى.
هكذا ستظل المؤسسة في ذاكرة آلاف العائلات: اسمٌ ضخم، مخيم أبيض، وقناني ماء تحمل شعارًا أزرق، وحشودٌ تتدافع تحت الشمس، وصرخات أمهات فقدن أبناءهن في الطرق المؤدية إلى «المساعدات».
خلال أشهر عملها، كانت المؤسسة تروّج لنجاحها في إيصال ملايين الوجبات، لكنها كانت تغادر دائماً محاطة بالأسئلة.
منظمات حقوقية وثّقت حالات إطلاق نار قرب مراكز التوزيع، وإصابات ووفيات وقعت في ساعات الفوضى. عائلات قالت إن الطريق إلى مركز المساعدات كان أخطر من الحرب نفسها، ومسعفون تحدثوا عن ليالٍ عسيرة حملوا فيها مصابين سقطوا قبل أن تصل إليهم سيارات الإسعاف.
وقد وُجهت للمؤسسة اتهامات من مؤسسات حقوقية دولية بانتهاك مبادئ الحياد، بعد أن ارتبطت آليات عملها بالشراكة مع الاحتلال، وبترتيبات أمنية غير واضحة، وبقوات كانت ترافق الشاحنات وتحدد نقاط التوزيع تحت مرمى رصاص وقذائف الدبابات الإسرائيلية.
منظمات دولية حذّرت حينها من «هندسة للجوع» تتحكم بمسار الغذاء لا بإنقاذ البشر. وفي كل مرة كان السؤال يرتفع: من يحمي الناس وهم يقفون في طوابير الحياة؟
في خيمةٍ أخرى من غزة، جلست مريم أم أحمد، أمّ شاب في العشرين. تحدّق في بطاقة كانت تُستخدم لتلقي وجبة ساخنة. تقول إنها لا تريد شيئًا من أحد، فقط أن تعرف لماذا مات ابنها في الشارع وهو ينتظر المساعدة. «المساعدات التي تجعلنا نقف تحت النار ليست مساعدات».
اليوم غادرت المؤسسة. تلاشت نقاط التوزيع، وأُطفئت المولدات، ولم يبقَ إلا الغبار الذي تثيره الشاحنات المنسحبة، شاهدًا على أشهر ثقيلة. رحلت دون أن تُجيب: من يتحمل المسؤولية؟ مَن يعوّض هذه العائلات؟ وكيف يمكن لعمل «إنساني» أن يكون محفوفًا بكل هذا الدم؟
غزة، التي تملك ذاكرة لا تنام، ستسجّل هذه الصفحة أيضًا. ليس لأن مؤسسة جاءت ورحلت، بل لأن الذين وقفوا في طوابير الجوع دفعوا الثمن مرتين: مرة حين فقدوا بيوتهم… ومرة حين فقدوا من وقفوا معهم في طابور الخبز.