على ملاعب قطر، حيث يتردّد صدى الهتاف أكثر مما يتردّد صوت السياسة، برز مشهد إنساني لافت في برنامج رياضي على قنوات الكأس، مشهدٌ لم يكن مجرد تصريحات… بل كان اعترافًا علنيًّا بما تبقى من نبض عربي مشترك.
كان عبد الله أبو زمع، ابن الأردن ومدربها السابق، يجلس أمام الكاميرا ببساطته المعتادة، لكن شيئًا ما في نبرة صوته بدا مختلفًا. وحين سأله المذيع عن المنتخب الذي كان سيختاره لو لم يلعب للأردن، لم يتردد، لم ينظر للوراء، قالها كمن يعلن انتماءه الأول: “كنت سأختار فلسطين.”
لم تكن جملة رياضية فحسب؛ كانت صوتًا للشعبين اللذين لم يفصلهما خط حدود ولا جدار إسمنت.
وحين سُئل عمّا سيغيّره لو امتلك عصا سحرية، لم يذهب نحو ذاته ولا نحو مصلحته، بل نحو الجرح الذي يكبر منذ عقود: “سأختار تحرير فلسطين"، قالها كمن يضع يده على قلب الأمة كلها.
وفي مقابلة أخرى في ذات البرنامج، جلس المغربي الكبير حسين عموتة، الذي عرفته ملاعب العرب وقلوبهم. كان يمكنه أن يقول إن أمنيته هي بطولة، أو إنجاح مشروع رياضي، أو حتى مجد شخصي .. لكنه اختار ما هو أوسع من اسمه، وأرضى لضميره.
قال بهدوء يشبه حكمة الكبار: “لو معي عصا سحرية .. لأنهيت الحروب ونصرت فلسطين.”
ثم أضاف الجملة التي وحدها تكفي لتلخص رواية الغضب العربية: “ولو معي بطاقة حمراء ..أرفعها في وجه الكيان الصهيوني.”
لم تكن البطاقة مجرد ورقة، كانت صرخة رياضية بوجه احتلال يتجاوز كل خطوط اللعب.
كانت بطاقة حمراء صادرة من مدرب يعرف أن الرياضة ليست ملعبًا محايدًا حين يتعلق الأمر بالإنسان والعدالة.
في تلك الليلة، لم تكن الكرة هي البطل، بل القلب العربي حين يتحدث بلا خوف، بلا تردد، بلا حسابات.
لقد أعادت تلك التصريحات تذكير الجماهير بأن الرياضة ليست فقط تنافسًا وأهدافًا، بل منبرٌ حين تصمت المنابر، وصوتٌ حين تغيب الأصوات.
وبين مدربٍ أردني وآخر مغربي، وُلدت لحظة عربية نادرة، لحظة قالت فيها الرياضة ما تعجز عنه نشرات الأخبار.