عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

ركام غزة.. سرقة أخرى للاحتلال في ظلّ الدمار الكامل

غزة - خاص الرسالة نت

بعد أكثر من عامين على الدمار غير المسبوق الذي لحق بقطاع غزة، لم يتوقف الاحتلال عند حدود القصف والتجريف ونسف الأحياء فوق ساكنيها، بل امتدّ إلى ما بعد ذلك، نحو الركام نفسه.

فقد تحوّل ما تبقّى من حجارة بيوت الغزيين وحديدهم وإسمنتهم إلى ما يشبه “غنيمة حرب” تُنقَل بالشاحنات والجرافات إلى داخل “إسرائيل”، في واحدة من أكثر عمليات النهب التي تعكس قذارة المحتل.

ووفق تقديرات البنك الدولي، يُقدَّر حجم الركام الناتج عن تدمير القطاع ما بين 41–47 مليون طن، وهو رقم لم يشهده أي صراع حديث منذ الحرب العالمية الثانية.

هذه الجبال من حجارة البيوت المهدّمة، بدل أن تبقى شاهدة على الجريمة أو تُستخدم في إعادة الإعمار، اختفت من أماكنها في مناطق واسعة من القطاع.

إحدى العائلات من غزة روت أن بيتها القديم الذي بناه الأب قبل عقود سُوِّي بالأرض، لكن المفاجأة الأكبر ظهرت عند مقارنة صور الأقمار الصناعية: لم يبقَ حتى الركام. اختفت الحجارة، الحديد، الإسمنت، أساسات البيت، وحتى الأنقاض المحيطة.

تقول الأم: “لم يكتفِ المحتل بقتل أحلامنا… سرق حتى حجارة البيت، كأنهم أرادوا أن يمحونا تمامًا.”

خبراء بيئة من غزة أكدوا أن ما جُمع لم يكن مجرد “أنقاض”، بل كان يحتوي على كميات هائلة من الحديد الصافي والإسمنت الذي يمكن إعادة تدويره.

قانونيًا، تبدو الانتهاكات صارخة. فالقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، يحظر نهب الممتلكات الخاصة أو العامة في منطقة محتلة، سواء كانت سليمة أو مدمّرة، ويعدّ نقل أنقاض المنازل من أراضٍ مدنية محتلة إلى أراضي الدولة المحتلة جريمة حرب بكل المقاييس، وفق المادة 33 من الاتفاقية. كما يحظر النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية “الاستيلاء غير المشروع على ممتلكات العدو المدني”، ويصنّفه كعمل نهب punishable pillage.

ويرى خبراء حقوقيون أن ما يحدث يتجاوز تعريف “النهب” إلى محاولة ممنهجة لطمس معالم الأرض وإخفاء الأدلة على عمليات التدمير واسعة النطاق التي قد تشكّل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. فاختفاء الركام يعني اختفاء الشواهد المادية للجريمة: اتجاه القصف، نوع السلاح، آثار المتفجرات، وحتى بقايا الجثث.

ومن جهة إنسانية، يصف سكان غزة العملية بأنها “السرقة بعد القتل”. فالمواد التي كانت ستساعد في إعادة إعمار البيوت — الحديد، الإسمنت، الحجارة — كان يمكن إعادة تدويرها محليًا لتسريع عملية البناء، لكن نقلها يعني خلق نقص إضافي في مواد البناء داخل غزة، ما يفاقم معاناة السكان المحاصرين.

ويقول أحد المهندسين: “حتى لو كان المنزل مدمّرًا بالكامل… يبقى الركام جزءًا من حقّ العائلة في إعادة الإعمار. ما فعله الاحتلال هو قطع الطريق على إعادة البناء قبل أن يبدأ.”

وعلّق الخبير الاقتصادي نائل موسى على القضية للرسالة قائلاً إن سرقة الركام ليست مجرد عمل مادي، بل سياسة ممنهجة لتضييق الحياة على أهل غزة وحرمانهم من أي إمكانية لإعادة الإعمار في ظل الحصار المستمر، حيث تُمنع حتى المعدات وأدوات البناء من الدخول.

ولفت موسى إلى أن الركام نفسه يمثل ثروة حقيقية يمكن إعادة تدويرها محليًا لاستصلاح البنى التحتية ورصف الشوارع والميناء، وأن سرقته تُحوّل هذه الموارد إلى مكاسب اقتصادية لدولة الاحتلال.

ويؤكد موسى أن القوانين الدولية التي تتغاضى عن الانتهاكات السابقة ستتغاضى عمّا يحدث اليوم، لكن العملية تبقى سرقة واضحة لموارد غزة الطبيعية ومكوّناتها.

وأضاف: “بهذا، تصبح عملية نهب ركام غزة امتدادًا طبيعيًا لمنهج الاحتلال: تدمير الأرض، ومحو الوجود، وتجريد الفلسطيني من بيته حتى آخر حجر، وتحويل ما تبقى منه إلى مكسب اقتصادي بدل أن يكون دليلاً على الجريمة أو خطوة أولى في إعادة الإعمار.”

وبينما يستمر العالم في جدل طويل حول التحقيقات والمساءلة، يبقى سكان غزة في مواجهة واقع أشد قسوة: بيوت هُدمت… وأنقاض سُرقت… وذاكرة تُمحى حجرًا حجرًا.

البث المباشر