الأزمات النفسية تفجّر تصاعدًا حادًا في انتحار جنود الاحتلال بعد 7 أكتوبر

متابعة- الرسالة نت

منذ السابع من أكتوبر 2023 تشهد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، واحدة من أعمق أزماتها الداخلية، مع ارتفاع غير مسبوق في حالات الانتحار بين صفوف الجنود والضباط، وسط ضغوط نفسية هائلة خلّفتها المعارك الممتدة، وتعاظم الشعور بالعجز والانهيار المعنوي داخل الوحدات القتالية. ومع انشغال الجبهة السياسية والعسكرية في إدارة الحرب، تتصاعد التحذيرات بأن أزمة الانتحار تحوّلت إلى "ظاهرة خطيرة" تُنذر بتداعيات بعيدة المدى على تماسك الجيش وقدرته على الاستمرار في القتال.

ووفق معطيات رسمية صادرة عن الجيش الإسرائيلي، سجّلت الأشهر الأخيرة زيادة كبيرة في الوفيات الناجمة عن أزمات نفسية داخل صفوف الجنود، مقارنة بالمتوسط السنوي المُعلن قبل الحرب. وتشير البيانات إلى أن معدلات الانتحار تضاعفت تقريبًا خلال العامين الأخيرين، في أعلى مستوى تسجله المؤسسة العسكرية منذ سنوات طويلة.

وتعزو جهات عسكرية هذا الارتفاع إلى "الظروف القتالية القاسية" داخل قطاع غزة، وإلى الاعتماد الكبير على قوات الاحتياط، ما أدى إلى إنهاك نفسي حاد لدى كثير من الجنود، إلى جانب الاحتكاك المباشر مع مشاهد الدمار والموت، التي تركت أثرًا بالغًا على الصحة العقلية للمشاركين في العمليات.

 

الصحافة الإسرائيلية تكشف المستور

صحيفة "هآرتس" كانت من أوائل الجهات التي نبّهت إلى خطورة الظاهرة، إذ نشرت مؤخرًا تقريرًا حول وفاة ضابط احتياط من لواء "غفعاتي" كان يتلقى علاجًا نفسيًا على مدى عامين بعد إصابته باضطرابات حادة جرّاء خدمته في غزة. واعتبر مختصون هذه الحالة "نموذجًا متكررًا" لما يعيشه المقاتلون الذين شاركوا في المعارك، مع توسع دائرة من يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة والقلق والاكتئاب.

كما أفادت الصحيفة بأن عددًا من الجنود المسرّحين توفوا خلال العامين الأخيرين نتيجة أزمات نفسية مرتبطة بالخدمة، إلى جانب حالات مشابهة داخل الشرطة الإسرائيلية، وهي أرقام لا تُحتسب رسميًا ضمن وفيات الجيش، رغم ارتباطها المباشر بالحرب.

تكشف متابعة منشورة في الإعلام العبري عن سلسلة من الحالات التي تُظهر فداحة الأزمة. فقد انتحر جندي من لواء "ناحال" بعد عام كامل من القتال داخل غزة ونقله إلى الجولان، فيما أطلق جندي آخر من لواء "غولاني" النار على نفسه داخل قاعدة عسكرية في صحراء النقب بعد خضوعه لتحقيق ترتب عليه سحب سلاحه.

أما الحالة الثالثة، فهي لجندي اشتكى لزملائه من معاناته من "الويلات والفظائع" التي شاهدها داخل القطاع، قبل أن يقرر وضع حد لحياته. وبحسب باحثين في علم الاجتماع السياسي، فقد وصل عدد المنتحرين إلى 44 جنديًا منذ بداية الحرب، ثلاثة منهم خلال عشرة أيام فقط.

وتشير شهادات جنود ومحاربين قدامى إلى أن جزءًا كبيرًا من الأزمات النفسية يعود إلى ما يتعرض له الجنود من مخاطر مباشرة في الميدان، وإلى مشاهد القتل والدمار الواسع التي شاركوا فيها أو شاهدوها. ويقدّر مختصون أن نحو 75% من المحاربين القدامى يحتاجون إلى دعم نفسي، في حين يعالج آلاف الجنود من اضطرابات ما بعد الصدمة. الأمر دفع الجيش إلى تخصيص ما يقارب 800 أخصائي نفسي لمواجهة هذا العبء المتصاعد.

وتتحدث تقارير إسرائيلية أخرى عن عجز الحكومة عن تلبية الطلب الهائل على العلاج النفسي، ما دفع منظمة "كسر الصمت" – التي تضم محاربين إسرائيليين سابقين – إلى اتهام الجيش بالتكتم على تجارب الجنود النفسية القاسية، وتسجيل بعض المنتحرين ضمن فئة "ضحايا الحوادث"، في محاولة لتقليل وقع الأزمة على الرأي العام.

 

أسباب مركّبة… وأزمة ثقة داخلية

يرى الخبير المختص بالشأن الإسرائيلي عماد أبو عواد أن ما يجري يعكس "أزمة داخلية عميقة غير مسبوقة" يعيشها الجيش الإسرائيلي، وأن السبب الرئيسي وراء الظاهرة هو الحرب على غزة وتداعياتها النفسية والاجتماعية على الجنود.

ويقدّر أبو عواد – استنادًا إلى المعطيات الرسمية – أن نسبة الانتحار ارتفعت بين 200 و300% مقارنة بالسنوات السابقة، وهو رقم لا يُعلن منه للإعلام سوى جزء محدود. ويضيف أن إحدى المشكلات الأساسية تكمن في سوء معاملة بعض القيادات العسكرية، والانقسامات العرقية داخل الجيش، بين الشرقيين والغربيين والمتدينين والعلمانيين، فضلًا عن حالات الاعتداء الجنسي وسوء المعاملة داخل الوحدات.

كما يشير إلى أن بعض الجنود انتحروا بعد اكتشاف خيانة زوجية، أو بسبب خسارة وظائفهم، أو نتيجة شعورهم بالذنب وتأنيب الضمير بعد مشاركتهم في عمليات وصفت بأنها "وحشية" داخل القطاع.

وتحاول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية – بحسب مراقبين – التعتيم على حجم الظاهرة خشية تأثيرها على ثقة الجمهور بجيشه، وعلى قرار الانخراط في الخدمة. ويؤكد محللون أن مسلسل الانتحار يعكس انهيارًا في منظومة الدعم النفسي، وعجزًا في توفير بنية معالجة فعالة، في وقت يشعر فيه الجنود بانفصال القيادة عن واقع الميدان، وبغياب أي أفق سياسي أو عسكري لنهاية الحرب.

وتقارن صحف إسرائيلية ما يحدث داخل الجيش الإسرائيلي بتجارب أخرى في جيوش عالمية، مثل انتحار مئات الجنود الألمان في نهاية الحرب العالمية الثانية، وتصاعد حالات الانتحار في صفوف الجنود الأميركيين العائدين من العراق وأفغانستان. وهي حالات ارتبطت بالشعور بالهزيمة، والخوف من الموت أو الأسر، أو تلقي أوامر بتنفيذ أعمال غير إنسانية.

 

ظاهرة الانتحار مرشحة للتصاعد

يُجمع الخبراء على أن ظاهرة الانتحار في صفوف الجيش الإسرائيلي مرشحة للتصاعد، طالما بقيت الأسباب الجوهرية دون معالجة. فالحرب الممتدة بلا أفق، والخسائر في الميدان، والانقسامات الداخلية، والضغط النفسي الهائل، كلها عوامل قد تُفاقم الانهيار المعنوي وتُضعف جاهزية وحدات الجيش.

ويحذّر اختصاصيون من أن أزمة الانتحار ليست مجرد "أرقام قاتمة"، بل مؤشر بنيوي على أزمة هوية وثقة داخل المؤسسة العسكرية، قد تنعكس سلبًا على قدرة الجيش على تجنيد قوات جديدة أو المحافظة على تماسكه.

وبينما يحاول الجيش وضع الأزمة تحت السجاد، تبدو الحقائق المتراكمة كفيلة بكشف أن الحرب على غزة لم تترك آثارًا على الفلسطينيين وحدهم، بل ضربت عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وأعادت فتح الجدل حول قدرة جيش الاحتلال على تحمّل تبعات حرب طويلة ومعقّدة لا تبدو نهايتها قريبة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير