أيمن غريب.. شاهد الأغوار الذي أراد الاحتلال إسكاته

الرسالة نت


اسمه أيمن غريب، وهو الرجل الذي عرفته القرى والسهول والمرتفعات كعين يقظة لا تنام. اختفى فجأة قبل أسبوعين، تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في مساحةٍ لطالما كانت تحتاج إلى من يرفع عنها الغبار ويكسر عزلتها.

في السابعة والأربعين من عمره، أصبح غريب أكثر من مجرد ناشط ميداني؛ كان "المكّوك" الذي يجوب الأغوار من مسافر يطا جنوبًا حتى بيسان شمالًا، يعرف تضاريسها بالشبر، ويحفظ خريطة الاستيطان وتفرعاته كما لو كانت جزءًا من جسده. كاميرته لم تكن أداةً بقدر ما كانت سلاحًا مضادًا، يواجه به اعتداءات المستوطنين ومحاولات التهجير المتواصلة.

منذ سنوات، شكّل غريب حلقة وصل أساسية بين ما يجري على الأرض وما يصل إلى وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية. لم يكن ينتظر أن يُستدعى إلى الحدث؛ كان هو الحدث ذاته.

يندفع نحو المناطق المستهدفة قبل أن تصل إليها العدسات، يبثّ مباشرة لحظات الخطر، ويحوّل صرخات الأهالي إلى صورة موثقة صعبة على الطمس.

هذا الدور أثار غضب المستوطنين الذين شنّوا حملات تحريض واسعة ضده عبر مواقع التواصل، وصلت حدّ الدعوة إلى قتله. ليس فقط قطعان المستوطنين؛ بل وحتى وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير كانت منصته واحدة من ساحات التحريض تلك.

وحين غاب غريب، عبّر بعض المستوطنين في منطقة فصايل عن "ارتياحهم المؤقت"، وكأن وجوده وحده كان يكسر صمت الجريمة ويعطّل تمددها.

اعتُقل غريب في 17 نوفمبر/تشرين الثاني داخل بلدة فصايل، بعد أن احتجزه المستوطنون بشكل غير قانوني. وخلال الأيام الثلاثة الأولى، لم يعرف أحد مكانه.

لاحقًا، تبيّن أنه نقل إلى قاعدة "سمرة" العسكرية، حيث تُرك مكبّلاً في العراء، يتعرض للبرد والجوع، ويُضرب بوحشية دفعت الاحتلال لنقله مرتين إلى المستشفى.

مشاهد قاسية مارسها الاحتلال كعادته بعيدًا عن العيون، في مكان لا يصلح حتى لتخزين المعدات، فكيف لاحتجاز البشر؟

ورغم ما عاشه، لم تكن هذه المرة الأولى التي يُستهدف فيها غريب. فقد نجا سابقًا من إطلاق نار مباشر، وتعرّض للملاحقة والاحتجاز من المستوطنين والجنود لسنوات. كان يدرك أن كل خطوة في الأغوار قد تكون ثمنًا، لكنه كان يرى أن الصمت أثقل من الخطر.

الصحفيون الذين رافقوه يعرفونه كظلّ لا يفارق الميدان. لم يكن مرشدًا فحسب، بل مضيفًا ورفيقًا، يفتح بيته، وينقلهم عبر الطرق الوعرة، ويؤمّن لهم مساحات آمنة للعمل في أصعب الظروف.

خلال اجتياح طمون مطلع العام، كان هو من صمد ليضمن استمرار التغطية رغم الحصار.

أمير داود، مدير النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يرى أن ما يجري ليس استهدافًا عشوائيًا، بل محاولة ممنهجة لخلق "مناطق عمياء" في الضفة تُنفّذ فيها الاعتداءات دون شهود.

ويؤكد أن غياب غريب ليس نقصًا في الأفراد فقط، بل فراغ في منظومة التوثيق التي تواجه بدورها ضغوطًا غير مسبوقة.

في الأغوار اليوم، مشاهد الاعتداءات مستمرة، لكن الصوت الذي كان يسبق الخطر اختفى. بقيت الكاميرا التي لم تهدأ يومًا معلقة بلا حامل، وبقيت الطُرق الجبلية التي جابها مرات لا تُحصى تنتظر عودته.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير