تفاجأت سهير إسليم بعقبة غير متوقعة بعدما حصلت على فرصة عمل مؤقتة لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) قبل نحو شهرين، إذ اصطدمت بإجراء إداري حال دون فتح حساب بنكي يمكّنها من استلام راتبها. فعندما توجهت إلى بنك فلسطين لهذا الغرض، رفض الموظف طلبها لعدم امتلاكها بطاقة هوية شخصية سارية.
وتوضح سهير أنها حاولت تجاوز الموقف بعرض نسخة إلكترونية من هويتها محفوظة على هاتفها المحمول، إلا أن البنك اشترط إحضار الهوية الأصلية وفق الأنظمة المعتمدة. غير أن هذا الشرط كان مستحيل التحقيق، إذ إن بطاقتها الشخصية دُفنت تحت أنقاض منزلها الذي تعرّض للقصف، ولم تتمكن من العثور عليها رغم محاولات البحث المتكررة وسط الركام، حيث احترق المنزل بالكامل وتدمّرت محتوياته.
وأمام هذا الواقع القاسي، اضطرت سهير إلى تفويض زوجها لاستلام راتبها نيابةً عنها، في حل مؤقت فرضته ظروف الحرب وفقدان الأوراق الثبوتية، وهو واقع يعيشه آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة، ممن حُرموا من أبسط حقوقهم الإدارية بسبب الدمار الواسع وتعطّل القدرة على تعويض الوثائق الرسمية.
على مدار عامين من الحرب المتواصلة على قطاع غزة، لم تقتصر الخسائر على الأرواح والمنازل، بل امتدت لتطال أحد أكثر مقومات الحياة اليومية بساطة وحساسية في آن واحد: بطاقات الهوية والأوراق الرسمية. فقد آلاف الفلسطينيين وثائقهم الشخصية نتيجة القصف المفاجئ والمكثف، والتوغلات البرية المتكررة التي أدت إلى تدمير مئات آلاف المنازل بكل ما تحتويه، بما فيها المستندات الرسمية التي تُعد مفتاحًا للحقوق والخدمات.
وتفاقمت معاناة الغزيين بفعل الإجراءات الإسرائيلية المقيدة، إذ تواصل إسرائيل إغلاق معبر بيت حانون (إيرز) أمام إدخال بطاقات الهوية إلى قطاع غزة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في خطوة تُضاف إلى سلسلة العراقيل التي يواجهها نحو مليوني فلسطيني يعيشون تداعيات العدوان المستمر.
ومنذ احتلال قطاع غزة عام 1967، تُمسك إسرائيل بزمام السيطرة على إصدار بطاقات الهوية للفلسطينيين، حيث جرى إخضاع السجل السكاني بالكامل للإدارة المدنية الإسرائيلية. ورغم توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، لم تُنقل هذه الصلاحية بشكل كامل إلى السلطة الفلسطينية، لتظل بطاقة الهوية أداة مركزية في يد الاحتلال للتحكم في سجل السكان والمعابر، وفرض الهيمنة الإدارية على الفلسطينيين.
ويمر إصدار أي بطاقة هوية فلسطينية عبر النظام الإسرائيلي، الذي يفرض إدراج البيانات باللغة العبرية إلى جانب العربية، رغم أن الطباعة تتم داخل مراكز وزارة الداخلية الفلسطينية. كما تُلزم هذه البطاقات بالنموذج والشكل والشفرة الإلكترونية التي يفرضها الاحتلال، ما يجعل أي محاولة لإصدار بدائل محلية مستقلة أمرًا شبه مستحيل.
وفي هذا السياق، قال إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن الشق المدني في وزارة الداخلية غير قادر حاليًا على إصدار بدل فاقد أو تجديد بطاقات الهوية القديمة، رغم الحاجة الماسة إليها وارتباطها المباشر بمعاملات المواطنين اليومية، سواء في البنوك أو المؤسسات الرسمية والخاصة.
وأوضح الثوابتة في تصريحات صحفية أن ملف الهويات يُعد من أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا في المرحلة الراهنة، واصفًا الوضع بأنه "متعذر تمامًا"، في ظل جملة من الأسباب الفنية واللوجستية التي يفرضها الاحتلال.
وبيّن أن أول هذه الأسباب يتمثل في عدم توفر الحبر التقني الخاص المستخدم في طباعة بطاقات الهوية، وهو حبر ذو مواصفات أمنية عالية يمنع الاحتلال إدخاله إلى قطاع غزة بشكل كامل.
كما أشار إلى عدم توفر الورق المخصص لطباعة الهوية، وهو ورق يتمتع بسماكة وخصائص أمنية خاصة لا يمكن استبداله بأي بديل عادي، ويُصنّف ضمن المواد المحظورة، شأنه شأن ورق جوازات السفر.
وأضاف أن النماذج الأصلية المعتمدة لطباعة بطاقات الهوية غير متوفرة في الظرف الحالي، نتيجة توقف خطوط الإمداد ومنع إدخالها، فضلًا عن انعدام غلاف الهوية الخارجي والجلاتين الداخلي الشفاف الخاص بها. كما أدى القصف الإسرائيلي إلى تعطّل المطابع المتخصصة التي كانت تتولى إنتاج هذه النماذج، بعد استهدافها خلال العدوان، ما جعلها غير قادرة على العودة إلى العمل.
وأشار الثوابتة إلى أن الأرشيف الورقي للسجل المدني، الذي يحتوي على بيانات التدقيق وصور المواطنين ومرفقاتهم الأساسية، تعرض لأضرار جسيمة، ولم يعد الوصول إليه ممكنًا في الوقت الراهن، ما يضيف عائقًا آخر أمام أي محاولة لمعالجة الأزمة.
ويرى مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي أن حرمان مئات الآلاف من الفلسطينيين في غزة من بطاقات الهوية، واستمرار منع إدخال المواد الأساسية اللازمة لإصدارها، يُشكّل ابتزازًا واضحًا وعقابًا جماعيًا، داعيًا المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوضع حد لهذا الانتهاك الذي يمس الحقوق الأساسية للمواطنين، ويقيد قدرتهم على إدارة شؤون حياتهم اليومية في ظل حرب لم تترك لهم سوى القليل من مقومات العيش.