من التهدئة إلى الاستهداف: اغتيال رائد سعد وسياسة "إسرائيل" لإعادة تفجير الصراع

الرسالة نت - خاص

شكّل اغتيال القائد العسكري في المقاومة الفلسطينية رائد سعد محطة مفصلية وخطيرة في مسار التصعيد الإسرائيلي، ليس فقط لكونه استهدافًا لشخصية عسكرية وازنة، بل لأنه يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز الحدث ذاته، لتؤسس لمرحلة جديدة من سياسة الاغتيالات الممنهجة بوصفها أداة لإسقاط الاتفاقات القائمة، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك وفق منطق أحادي يفرضه الاحتلال.
وفق قراءة المحلل السياسي د. إياد القرا، فإن هذا الاغتيال لا يمكن فصله عن السياق الأشمل لإدارة الصراع، حيث يسعى الاحتلال الإسرائيلي إلى كسر أي التزام حقيقي بالاتفاقات من خلال تحويل الاغتيال من إجراء استثنائي إلى سياسة دائمة، تُمنح فيها الاستهدافات شرعية ميدانية وسياسية، وتُستخدم كوسيلة لإبقاء المقاومة تحت الضغط المستمر.
ويشير القرا إلى أن الهدف المركزي من اغتيال رائد سعد يتمثل في استدراج المقاومة إلى رد فعل محسوب، يُستثمر سياسيًا وإعلاميًا لتصويرها كطرف أنهى الاتفاق، في محاولة مكشوفة لقلب الحقائق، وإعادة تحميل المقاومة مسؤولية انهيار التفاهمات، رغم أن الاحتلال هو من بادر بالتصعيد وخرق الالتزامات.
ويأتي هذا الاغتيال، بحسب القرا، ضمن محاولة مقصودة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك دون إعلان رسمي عن انهيار الاتفاق، بحيث يبقى الاحتلال في مساحة رمادية تتيح له تنفيذ الضربات النوعية، مع الإبقاء على خطاب التهدئة قائمًا شكليًا. هذه السياسة تخدم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو على أكثر من مستوى، إذ يستخدم التصعيد وتوسيع الخروقات كرسالة مسبقة قبل توجهه إلى واشنطن، لفرض وقائع ميدانية جديدة، وانتزاع غطاء سياسي أمريكي يسمح باستكمال سياسة الاغتيالات والتصعيد لاحقًا.
كما يرى القرا أن التصعيد يحمل بعدًا داخليًا واضحًا، حيث يسعى نتنياهو إلى ترميم صورته الأمنية المتآكلة في ظل أزماته السياسية والقضائية المتفاقمة، عبر إعادة إنتاج نفسه كقائد أمني قادر على المبادرة والهجوم، حتى وإن كان الثمن نسف أي مسار تهدئة.
من جانبه، يقدّم الباحث في الشأن الأمني رامي أبو زبيدة قراءة ميدانية تُكمل هذا التحليل السياسي، معتبرًا أن الاحتلال لا يتعامل مع التهدئة في قطاع غزة بوصفها توقفًا عن الحرب، بل كـ مرحلة عملياتية مختلفة تُدار فيها المعركة بأدوات أقل ضجيجًا وأكثر دقة. فالاغتيالات والاستهدافات الانتقائية التي نُفذت مؤخرًا تكشف بوضوح أن الحرب لم تنتهِ، وإنما أُعيد تدويرها ضمن نمط جديد يقوم على الضرب المتقطع، وإدارة الصراع بدل حسمه.
ويؤكد أبو زبيدة في مقال نشرته "الرسالة نت" أن الاحتلال يحرص على اختلاق مبررات ميدانية لتسويق عدوانه باعتباره ردًا دفاعيًا، غير أن هذا الخطاب لا يخرج عن كونه محاولة لإعادة تعريف مفهوم الخرق نفسه، بحيث يصبح أي حادث أمني، أو اشتباك محدود، أو حتى اختلاق أحداث غير موجودة داخل ما يُسمى بـ"الخط الأصفر"، ذريعة كافية لتنفيذ عملية اغتيال.
ويرى أبو زبيدة أن الاحتلال يسعى لفرض معادلة جديدة مفادها أن التهدئة لا تعني الأمان، وأنه يحتفظ بحق الضرب متى شاء، في محاولة لفرض قواعد اشتباك أحادية الجانب تمنحه حرية العمل الجوي والاستخباراتي داخل قطاع غزة، دون أي التزامات سياسية أو قانونية. وبهذا المعنى، فإن الضربات المحدودة لا تهدف فقط إلى إيقاع خسائر مباشرة، بل إلى الحفاظ على زمام المبادرة، ومنع المقاومة من الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة التعافي وإعادة التنظيم، وإبقاء بنيتها التنظيمية في حالة استنزاف دائم.
وفي البعد الأمني، يلفت أبو زبيدة إلى أن كثافة العمل الاستخباراتي خلال فترة التهدئة تشير إلى أن الاحتلال يستغل الهدوء النسبي لتحديث بنك أهدافه استعدادًا لجولات قادمة، وهو ما يفسر عدم تسريح وحدات سلاح الجو والطيران المسيّر، واستمرار عمل شعبة الاستخبارات العسكرية بكامل طاقتها.
ويحذّر أبو زبيدة من أن السيناريو الأخطر يكمن في تطبيع هذا النمط من الاستباحة، بحيث تتحول الضربات الخاطفة إلى حالة دائمة تُنفّذ على مدار الوقت، وإن كانت أقل كثافة من الحرب الشاملة، ما يعني عمليًا تكريس واقع أمني جديد في قطاع غزة، تُنتهك فيه التهدئة بشكل مستمر، ويُفتح الباب أمام نزيف دم متواصل بلا سقف زمني أو ضمانات حقيقية.
في المحصلة، يؤكد اغتيال رائد سعد أن الاحتلال يتعامل مع الاتفاقات بوصفها محطات مؤقتة لإعادة التموضع، لا التزامات ملزمة، وأن سياسة الاغتيالات باتت أداة مركزية لإدارة الصراع، وفرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل رهان إسرائيلي واضح على الغطاء الأمريكي، وصمت المجتمع الدولي، واختبار صبر المقاومة في مرحلة مرشحة لمزيد من الضغوط ومحاولات كسر الإرادة

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير