لم يعد ما يُسمّى بـ"عيد الأنوار العبري – الحانوكاه" مجرّد مناسبة دينية في الروزنامة اليهودية، بل تحوّل في السياق الفلسطيني إلى أداة سياسية وأمنية تُستثمر لتكريس مشروع استعماري إحلالي، يقوم على الاستفزاز العلني، وفرض الوقائع بالقوة، وتكثيف الاعتداءات على الأرض والإنسان والمقدسات.
ففي كل عام، يترافق هذا العيد مع تصعيد منظم في الانتهاكات، لكنه يأتي هذا العام محمّلاً بدلالات أشد خطورة، في ظل حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، والخنق المتصاعد للضفة الغربية، والعدوان المفتوح على المسجد الأقصى.
ويمثل "الحانوكاه" في الممارسة الصهيونية المتطرفة لحظة انفجار مكثف للكراهية، تُشعل فيها الشموع على أنقاض البيوت المدمّرة، وتُقام الطقوس فوق دماء الشهداء، في مشهد يجمع بين الرمزية الدينية الزائفة والعنف الاستعماري العاري. فمن القدس إلى الخليل، ومن باحات الأقصى إلى أحياء غزة المدمّرة، يُستخدم العيد كغطاء أيديولوجي لتبرير الإجرام، وإعادة إنتاج خطاب «الدولة اليهودية النقية» عبر الإقصاء والقتل والتدنيس.
الحانوكاه في غزة: شموع على أنقاض الإبادة
في مشهد يعكس ذروة الانحطاط الأخلاقي، لم يتردد جنود الاحتلال ومستوطنوه في الاحتفال بـ"عيد الحانوكاه" داخل مناطق من قطاع غزة، فوق أنقاض المنازل المدمّرة، وفي محيط المستشفيات والمناطق السكنية التي تحوّلت إلى ركام. وقد أثارت هذه المشاهد غضبًا واسعًا، لما تحمله من دلالات على تحويل الإبادة الجماعية إلى طقس احتفالي، يُقصد به إذلال الضحية، وتكريس التفوق القائم على القوة والقتل.
وفي هذا السياق، علق المدير العام لوزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور منير البرش، عبر منصة "إكس" تعقيبا على مقطع مصور لجنود من الكتيبة 22 في جيش الاحتلال أقدموا على إشعال النيران في الطابق العلوي من المستشفى الإندونيسي، قبل أن يظهروا مبتسمين ويتحدثون عن "انتصار النور على الظلام"، في مشهد وصفه بأنه احتفال على أنقاض منشأة طبية أُنشئت لإنقاذ الأرواح لا لإحراقها.
وقال في تغريدته، إن الاحتلال لا يكتفي بقتل الفلسطينيين وتدمير بيوتهم ومستشفياتهم، بل يذهب إلى أبعد من ذلك عبر الاحتفال بأعياده الدينية فوق جثث الضحايا، في سلوك يعكس عقلية فاشية تجرّد الفلسطيني من إنسانيته، وتحاول تطبيع الإبادة بوصفها فعلًا اعتياديًا.
وأكد البرش أن هذه الممارسات تشكّل استفزازًا صارخًا لمشاعر الفلسطينيين، ورسالة واضحة بأن الاحتلال لا يرى في غزة سوى ساحة مفتوحة للقتل والتخريب، حتى في أكثر اللحظات التي يفترض أن تكون إنسانية أو دينية.
وأضاف أن تحويل الحرب إلى احتفال ديني يكشف زيف الادعاءات الأخلاقية التي تروّج لها إسرائيل أمام العالم.
القدس في مرمى "الحانوكاه"
في القدس المحتلة، اتخذ "عيد الأنوار العبري" بعدًا أكثر خطورة، مع تصاعد الاقتحامات والطقوس الاستفزازية داخل محيط المسجد الأقصى المبارك.
وفي هذا الإطار، قال الباحث المختص بشؤون القدس زياد ابحيص إن اليوم الأول من ما يُسمّى "الحانوكاه" شكّل تصعيدًا جديدًا في مسار العدوان المنظم على المسجد الأقصى، ضمن محاولات متواصلة لفرض وقائع تهويدية تمس هوية المكان ووضعه القانوني والتاريخي.
وأوضح ابحيص أن العيد بدأ بعد غروب شمس يوم الأحد 14 كانون الأول/ديسمبر 2025، ويستمر لمدة ثمانية أيام، مشيرًا إلى أنه أُضيف إلى اليهودية في مرحلة متأخرة، ويحتفى، بحسب الروايات اليهودية، بالتمرد الأول لليهود عام 164 قبل الميلاد ضد الحكم السلوقي.
ولفت إلى أن منظمات الهيكل تعمل منذ سنوات على إدخال هذا العيد ضمن رزنامة اقتحاماتها للأقصى، في محاولة لتقليص الفجوة الزمنية بين الأعياد اليهودية الكبرى.
وبيّن أن هذه المنظمات تسعى إلى تكريس "الحانوكاه" كمناسبة للمطالبة بفرض ما تسميه "السيادة الصهيونية الكاملة" على المسجد الأقصى، وإقصاء دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية عن الإشراف عليه.
وأضاف أن اليوم الأول شهد إشعال الشمعة الأولى من شمعدان الأنوار أمام باب القطانين، ونصب شمعدان آخر عند الجسر المؤدي إلى باب المغاربة، في طقوس تحمل دلالات واضحة على السعي لنقل هذه الممارسات إلى داخل المسجد.
وأشار ابحيص إلى أن المقتحمين تعمدوا ترك مجسم رمزي لشمعدان صغير داخل الأقصى، في رسالة تعبّر عن التمهيد لإدخال كامل الطقوس اليهودية، في إطار سياسة تدريجية تهدف إلى فرض واقع ديني جديد، يؤسس معنويًا لما يُسمّى "الهيكل المزعوم".
وأضاف أن عدد المقتحمين في اليوم الأول بلغ 220 مستوطنًا، يتقدمهم حاخامات متطرفون، حيث أدوا طقوسًا جماعية علنية، ونظموا حلقات غناء في الساحة الشرقية للمسجد، في محاولة لتحويلها إلى كنيس غير معلن.
ولم تقتصر الاعتداءات على القدس، إذ امتدت إلى المسجد الإبراهيمي في الخليل، حيث تسعى حكومة الاحتلال والمستوطنون إلى تكريسه موقعًا مركزيًا لاحتفالات "الحانوكاه، في إطار سياسة تهويد شاملة تستهدف المقدسات الإسلامية.
وفي الضفة الغربية، ترافقت الاحتفالات مع اعتداءات على الفلسطينيين، وإغلاق للطرق، ورفع شعارات عنصرية، فيما واصلت آلة الحرب في غزة حصد الأرواح.