لم يكن إيهاب أبو جزر مجرد مدرب قاد منتخب فلسطين في كأس العرب، بل كان حكاية غزة وهي تمشي على خط التماس، وصوتها يصل من الخيام إلى الملاعب المضيئة في قطر.
ابن غزة الذي عاش تفاصيلها يومًا بيوم، وترك خلفه أهلًا ما زالوا هناك، وسط حربٍ امتدت لعامين، ومعاناة لا تنتهي، ليحمل لواء فلسطين وغزة معًا أمام أنظار العالم.
إيهاب لم يأتِ من فراغ. هو ابن المكان، يعرف وجعه جيدًا، ويحفظ أسماء شوارعه وملامح ناسه، لذلك لم تكن مهمته تدريبية فقط، بل إنسانية ووطنية. دخل البطولة وهو يدرك أن كل مباراة هي رسالة، وكل دقيقة لعب هي مساحة أمل لشعب أنهكته الحرب والحرمان.
في في كل أوقت تدريبات ومباريات المنتخب، كان أبو جزر يشحذ همم لاعبيه بكلمات خرجت من القلب: أنتم لا تلعبون لأنفسكم فقط، هناك من ينتظرنا في غزة، في الخيام، تحت القصف والبرد. كان يربط بين العرق على أرضية الملعب، والوجع في الشوارع المحاصرة، ليصنع دافعًا مختلفًا، صادقًا، لا يُدرَّس في كتب التدريب.
المشهد الذي لخص القصة، وأبكى الملايين، كان صورة والدته وهي تتابعه من داخل خيمة في غزة. أمٌّ تشاهد ابنها يقود منتخب وطنه، بينما تعيش أبسط تفاصيل الحياة القاسية. صورة اختصرت المسافة بين غزة وقطر، وجعلت العالم يرى كرة القدم بعيون أخرى: لعبة تمنح الحياة، ولو للحظات.
في غزة، رغم الألم، صعد الناس فوق معاناتهم. تجمعوا حول الشاشات، تابعوا مباريات منتخبهم، وهتفوا لأسماء اللاعبين، ووجدوا في كل فوز أو أداء مشرّف فسحة فرح نادرة. المنتخب الفلسطيني، بقيادة إيهاب أبو جزر، لم يحقق نتائج رياضية فقط، بل منح شعبه جرعات من السعادة، وأعاد لهم الشعور بأنهم حاضرون، مرئيون، ومسموعون.
هكذا تحوّل إيهاب أبو جزر إلى أيقونة. ليس لأنه مدرب ناجح فحسب، بل لأنه حمل غزة في صوته، وفي نظرته، وفي كل خطوة خطاها على دكة البدلاء. رفع لواءها عاليًا، وجعل من كأس العرب منصة تذكير بأن خلف الأرقام والنتائج، هناك بشر، وحكايات، ومدرب اسمه إيهاب أبو جزر خرج من غزة، وبقي قلبه هناك.