تشهد الضفة الغربية في المرحلة الراهنة أخطر موجات التوسع الاستيطاني منذ احتلالها عام 1967، وسط سياسات إسرائيلية متسارعة لا تكتفي بتكريس الأمر الواقع، بل تسعى إلى إعادة هندسة المكان والإنسان معًا.
المخططات الجارية لم تعد محصورة في مصادرة أراضٍ أو بناء وحدات استيطانية متفرقة، بل باتت تستهدف تفكيك الضفة الغربية إلى كيانات معزولة، بلا تواصل جغرافي أو سياسي، بما ينسف عمليًا أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
وما يجري اليوم يمثل مرحلة حاسمة في مشروع استيطاني شامل، يجري تنفيذه بوتيرة غير مسبوقة، مستفيدًا من الغطاء السياسي والدعم الحكومي الكامل داخل إسرائيل.
تسارع غير مسبوق في إعادة هندسة الضفة الغربية
يؤكد فراس القواسمي الخبير في الشأن الإستيطاني أن السياسات الإسرائيلية الحالية تهدف بشكل مباشر إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديمغرافيا في الضفة الغربية، عبر تفكيكها إلى أكثر من 200 منطقة فلسطينية معزولة، تتحول عمليًا إلى “كانتونات” منفصلة بلا أي امتداد جغرافي أو قدرة على التواصل الداخلي. هذا التفكيك، وفق القواسمي، لا يترك مجالًا للحديث عن دولة فلسطينية ذات سيادة، بل يفرض واقعًا دائمًا من العزل والتبعية.
يوضح القواسمي أن الاستراتيجية الإسرائيلية تقوم على مشروع مزدوج ومتوازي: أولهما فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، وثانيهما عزل القدس الشرقية بالكامل عن محيطها الفلسطيني.
ويتم تنفيذ ذلك عبر شبكة معقدة من التوسعات الاستيطانية، وشق الطرق الالتفافية، وبناء الجدار الفاصل، وفرض منظومة حواجز ونقاط سيطرة دائمة. والنتيجة، بحسب القواسمي، هي تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويل الحركة الفلسطينية إلى مسارات خاضعة للتحكم الأمني الإسرائيلي الكامل.
إعلان بيت إيل: حلقة جديدة في سلسلة التوسع
وتأتي هذه التحذيرات عقب إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بدء تنفيذ مشروع استيطاني جديد يشمل بناء 1200 وحدة استيطانية في مستوطنة بيت إيل شمالي مدينة رام الله.
الإعلان، الذي جاء خلال زيارة ميدانية للمستوطنة، تضمن تأكيدات رسمية بمواصلة البناء الاستيطاني بوتيرة متصاعدة، إلى جانب إقامة بؤر استيطانية إضافية ضمن ما يعرف بمشروع “نحال”، فضلًا عن خطط لإعادة إنشاء مستوطنات ومعسكرات عسكرية في شمال الضفة الغربية.
ويرى مراقبون أن هذا الإعلان يعكس انتقال إسرائيل من سياسة التوسع التدريجي إلى سياسة الفرض السريع للوقائع على الأرض.
مشروعا E1 والقدس الكبرى: قلب الاستراتيجية الاستيطانية
ويشير القواسمي إلى أن مشروعي “E1” و“القدس الكبرى” يمثلان الركيزة الأساسية في الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية. فهذان المشروعان لا يستهدفان فقط السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية، بل يهدفان إلى إنشاء ممر استيطاني استراتيجي يربط الساحل الفلسطيني بالأغوار والبحر الميت، بما يمنح إسرائيل سيطرة شبه كاملة على وسط الضفة الغربية.
ووفق المعطيات، تتضمن هذه الخطط بناء نحو 4 آلاف وحدة استيطانية، إضافة إلى 10 منشآت فندقية، في إطار مسعى لتحويل المنطقة إلى فضاء استيطاني وسياحي يخدم الرؤية الإسرائيلية بعيدة المدى.
ويحذر القواسمي من أن هذه المشاريع تحمل أبعادًا ديمغرافية خطيرة، إذ تهدف إلى ضم نحو 150 ألف مستوطن إلى حدود القدس، مقابل عزل ما يقارب 160 ألف فلسطيني خلف الجدار الفاصل.
كما تعرّض هذه المخططات آلاف الفلسطينيين، لا سيما من التجمعات البدوية، لخطر التهجير القسري وهدم المنازل، في محاولة لإفراغ المناطق المصنفة “ج” من سكانها الأصليين، وتهيئتها لمزيد من التوسع الاستيطاني.
لم يعد الاستيطان، وفق القواسمي، مقتصرًا على بؤر معزولة أو نقاط متناثرة، بل تحول إلى كتل استيطانية كبرى تعمل كمدن متكاملة إداريًا وبنيويًا.
ومن أبرز هذه الكتل: أريئيل، موديعين عيليت، جفعات زئيف، ومعاليه أدوميم، وهي كتل تستحوذ مجتمعة على نحو ربع عدد المستوطنين في الضفة الغربية. هذه الكتل لا تشكل فقط تجمعات سكنية، بل مراكز اقتصادية وخدمية مرتبطة مباشرة بالعمق الإسرائيلي.
ويضيف القواسمي أن كتلًا استيطانية مثل “غوش عتصيون”، التي تمتد حتى الخليل وتضم نحو 80 ألف مستوطن، و“معاليه أدوميم” التي يقطنها قرابة 50 ألفًا، و“أريئيل” التي تضم أكثر من 22 ألف مستوطن، تفرض واقعًا جغرافيًا جديدًا يقطع الضفة الغربية إلى أجزاء منفصلة. هذا الواقع، بحسب القواسمي، يقوض أي إمكانية لحل سياسي قائم على دولتين، ويجعل من التواصل الفلسطيني الداخلي أمرًا شبه مستحيل.
شبكة الطرق الالتفافية: سلاح التفتيت الصامت
على المستوى الميداني، تكشف الخرائط عن شبكة طرق التفافية يصل طولها إلى نحو ألف كيلومتر، خُصصت لربط المستوطنات ببعضها البعض، وفي المقابل تعمل على تمزيق الامتداد الجغرافي الفلسطيني.
وقد أدى هذا الواقع إلى تحويل الضفة الغربية إلى ما يقارب 235 كانتونًا معزولًا، يفتقر إلى أي تواصل جغرافي أو ديمغرافي، ويخضع لسيطرة أمنية إسرائيلية محكمة.
ويختتم القواسمي بالتأكيد على أن ما يجري اليوم يفرض منظومة سياسية وأمنية جديدة على الأرض، يصعب تغييرها عبر أدوات التفاوض التقليدية.
فالتسارع في فرض الوقائع الاستيطانية، مقرونًا بتفكك الجغرافيا الفلسطينية، يجعل أي عملية سياسية مستقبلية فاقدة لمضمونها، ما لم يتم التعامل مع الاستيطان باعتباره جوهر الصراع وأخطر أدواته في تقويض الحقوق الفلسطينية.